لا تحاول النظر إلى الفسيفساء الليبية مرة واحدة فقط وتكتفي بذلك , بل عليك التمعن أكثر فأكثر لتعلم أن الأعراق والخلفيات الثقافية في ليبيا هي مزيج ضخم لانهائي من التنوع , بل أن الطبيعة المحيطة بالبشر على أرض متوسطية أفريقية ساعدت في تعزيز هذا الإرث الثقافي والإثنولوجي.

بطاقة تعريفيــة تباوية

يستوطن حوالــي أكثر من 55 ألف مواطناً تباوياً في الجزء الجنوبي من ليبيا وعلى إمتداد الأطراف الشرقية من تشاد وصولاً إلى النيجر حتى السودان, حيث تتناسق الشعوب التباوية كشعوب رُعاة وشبه رحل للبحث عن مواطن العيش والأمان في هذه المنطقة. كما تتعدد المدن الليبية التي يستوطن فيها شعوب التبــو ما بين مناطق جنوبية شرقية حدودية و غير حدودية كــ ) القطرون, مرزق,  الكفرة , ربيانة, سبها يهراء , مسكودة, مدروسة, كوموزو, تجرهي, زلاء ,نغركنمي ).

تأتي تسمية “تبو“ من كلمة تِحنو التي أطلقتها الشعوب المجاورة لهم من الجانب المصري, كما يطلق عليهم في المقابل أيضاً تسمية قُرعان التي ترجع أصل تسميتها إلى القرن الثامن الميلادي لــ كلمة “قوران“, والتي تعتبر مناطقهم في العصور السابقة كأهم قنوات نقل البضائع و من أكثر المناطق التي يمر من خلالها المسافرين والرحالة الأجانب. كما يُعد التبو من أقدم شعوب المنطقة الصحراوية الأفريقية والذي يرجع تواجدهم فيها لأكثر من.  30 ألف سنة من خلال آخر الحفريات والأحجار الأمازونيات التي وجدت منحوتة على جبال تبيستي  والمنطقة الجنوبية الشرقية من الصحراء الليبية, كما يعتبر التبو من الشعوب التي عرفت الإسلام متأخراً دون غيره من الأديان المحلية التي سادت سابقاً ما بين الشعوب الأفريقية الراحلة , حيث بات الإسلام المتصوف والزاهد اليوم هو السائد اليوم بينهم.

ماما سوغا تتحدث عن الهوية التباوية !

في مقابلة مع السيدة التباوية سوغا , رئيس لجنة التراث والمقتنيات الشعبية بمركز الدراسات التباوية والتي تحدتث فيها عن قوة الفلكلور التباوي على سيسيولوجيات ليبيا سابقاً حتى وقتنا الحالي.

حياة قبائل التبو غنية بالعادات والتقاليد الأصيلة التي وجدت منذ أقدم العصور، وهذا ما أكده هيرودوت حين قال أن اليونانيون نقلوا بعض عادتهم عن الليبيين، ومازالت آثار هذه العادات منذ عصر لوحات الكهوف إلى يومنا هذا 

تُعد المخلفات الأثرية التي كشف عنها من قبل علماء الأثار خير دليل على أن ليبيا كانت على اتصال وثيق بأعظم الحضارات القديمة وعند دراسة هذه العادات المنقولة عن الأجداد جيلاً بعد جيل نجد أن بعضها أصيل وجد منذ أقدم العصور ومنها ما هو دخيل من بقايا الحضارات القديمة المجاورة وبعضها له صلة بالديانات التي تواجدت على أرضها وأعتنقها الليبيون على مر العصور.

 

وتواصل السيدة سوغا بــ أن الأزياء الشعبية على اختلاف أنواعها , قد شملها التطور كما حدث لغيرها من مظاهر الحياة الأخرى , سواء في البادية أو في المدن والأرياف فبعد أن كانت بسيطة في خدماتها ونسيجها وإعدادها وحتى في شكلها وألوانها , أصبحت تصنع من أقمشة غالية الثمن وتطريزات معقدة طالتها يد الصانع الماهر بالتهذيب والتزويق والتأنق وما إلى ذلك من الزخارف والإتقان .

كذلك الآلآت الموسيقية والمنسوجات التى تعبر عن مدى الاستفادة من القارة الافريقية وجسور التواصل بيننا وبين القارة السمراء فتجد للوهلة الاولى بأنه يوجد اختلاف بالعادات والتقاليد ولكن عندما نركز على التراث والموروث الثقافى نجد بأن العادات والتقاليد والتراث لا يختلف ويوجد تشابه كبيرا بين التبو وسكان القارة السمراء ولكن تختلف اللهجات فقط .

يحتفل التباويون بيوم الثقافة التباوية الذي يُصادف الــ 15من سبتمبر كل عام, والذي يرتدون فيه كل انواع الأزياء الخاصة من لباس شعبي أو اللباس التقليدي القديم في ليبيا الذي تنوع فيه أشكاله وألوانه , حيث أن بعض هذه الألبسة خاص للكبار وبعضها خاص بالأطفال , والبعض الآخر يتفرد بإرتداءه الشباب من الجنسين كل على حدى , كما أن هناك أزياء خاصة بكل فصل من فصول السنة وأزياء للعمل, وأخرى للمناسبات الإجتماعية والأعياد والمواسم .

 

وجب علينا الحفاظ على هذا الموروث الغني بالتنوع والزخِم بالتاريخ           

تبولوجيات تدغا

تتألف اللغة التباوية من 32 حرفاً , يكون معظمها ذو مخارج صوتية متنوعة ,  حيث يستخدمها سكان التبو القاطنين في ثمان أقاليم إفريقية , حيث تكتب اللغة التباوية بالحروف اللاتينية كغيرها من لغات العالم كالتركية, الاندونسية, الألمانية ... إلخ. حيث تكمن الإختلافات الضمنية مابين اللغة التباوية والعربية في صوامت وصوائت اللغتين , حيث تكون صوائت التباوية  (أي علامتها) أكثر كماً وتنوعاً من العربية , في حين أن العربية لها ثلات مدود وثلات علامات تكون التباوية في المقابل ذو إثنى عشرة مداً وعلامة.

وتتفرع إلى لهجتين أساسيتين هما :

1- تيداغا، وهي اللهجة التي يتحدث بها “تودا” سكان الجنوب الليبي وجبال تيبستي وواحات شمال شرق النيجر وحوض أيِر؛

2- دازاغا، وهي لهجة “دازاغادا” سكان إينيدي وبُركو وبَطحة وكانُم ومانقا وأيِر.

كما تعتبر التباوية إحدى أهم اللغات النيلية الصحراوية البارزة والتي تعد إحدى أهم أدوات التواصل بين بنو العمومة التباويون في الصحراء , وهي العلامة الفارقة والوحيدة التي تجمع سكان التبو رغم إختلاف حدودهم الجغرافية وديموغرافيتهم المنتشرة .

 

 اللغة التباوية في مفترق طرق  

يحاول العديد من اللغويون تحوير حروف اللغة التباوية من اللاتينية إلى العربية بحجة أن اللغة التباوية هي الأقرب للمناطق التي يقطنها المتحدثين باللغة العربية عما سواءهم من الأفارقة وسكان الصحراء , وهذا الأمر حسب مؤرخي ومدوني اللغات النيلية الصحراوية يكون صعباً ويتنافى مع أساسيات اللغات ومبادئها الأولى , بالإضافة إلى أن الوثائق والمخطوطات التباوية القديمة كُتبت بالحروف اللاتينية دون غيرها  .حيث  واجهت اللغة العديد من التحديات منها محاولات التعريب القسري التي حاولت الحكومات السابقة لليبيا تمكنيها وإستبدال العديد من الأيقونات التباوية المعروفة بمسميات آخرى غير أصيلة خاصة كبلدة أربدن ودموراء التي عربت إلى البيضان , أيضاً بلدة موشاوا التي يطلق عليها اليوم “ القليب “ .

نوتات موسيقى تباوية مثيرة

 هامـﻲ ﻫﻮ ﻓﻦ ﺷﻌﺮي - ﻏﻨﺎﺋﻲ، ﺗﻤﺎﺭﺳﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻟﻤﺪﺡ ﺍﻷﻗﺎﺭب ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﺧﺮ ﺑﺎﻷﻧﺴﺎب ﻭﺍﻷﺻﻞ ﻭﺫﻛﺮ ﺑﻄﻮﻻﺗﻬﻢ ، ﻭذم ﺍﻟﺨﺼﻮم ، ﻭﻳﻤﺎﺭﺱ ﻓﻲ مـﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﻛﺄﻋﺮﺍس ﺍﻟﺰﻭﺍج ﺃﻭ ﺍﻟﺨﺘﺎن ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﺣﻴﺚ 
تتراص ﻧﺴﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ “ﻫﺎﻣﻲ ” ،ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﺩﺍﺋﺮة، ﺗﺘﻮﻟﻲ ﻓﻴﻪ 
ﺇﺣﺪﺍﻫﻦ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﻭﺍﺿﻌﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻮﺿﻊ مايسترو ﺍﻹﻳﻘﺎﻉ, أما البقية 
 يقمن ﺑﺎﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺗﺮﺩﻳﺪ ﻣﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ
، وﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﺎﺣﺒﻪ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴﺎً ﺧﺮﻭﺝ ﻟﺒﻌﺾ ﻋﻨﺎﺻﺮ
ﺍاﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ , ﻭﻓﻲ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺇﻟﻲ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﻭﻳﻘﻤﻦ ﺑﺎﻟﻘﻔﺰ
ﻭوﺍﻟﺪﻭﺭﺍﻥ ﺣﻮﻝ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﻣﻊ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺭﻧﺎﻧﺔ ﺗﺸﺒﻪ ﺍﻟﺰﻏﺎﺭﻳﺪ،
ﻳﺼﺎﺣﺒﻬﺎ ﺳﺮﻋﺔ ﻓﻲ ﻭﺗﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﺇﻟﻲ ﺃﻥ ﺗﻌﺪﻥ ﺇﻟﻲ
ﻣﻜﺎﻧﻬﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻲ ﻧﺴﻖ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ، ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﺮﺏ ﺍﻟﺴﺎﻣﻌﻴﻦ
ﻭﺍﻟﻤﺘﻔﺮﺟﻴﻦ.

 شالا ﻭﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻦ ﺷﻌﺮﻱ ﻏﻨﺎﺋﻲ ﺗﺨﺘﺺ ﻓﻴﻪ ﻛﺒﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﺴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ, ﻭﻳُـﺘﻐﻨﻲ ﺑﺎﻟشالاﻠﻲ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺴﻌﻴﺪﺓ.

 النقارة ﻫﻲ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻄﺒﻮﻝ يُضرب ﻧﻘﺮﺍً ﻟﻴﺼﺪﺭ ﺍﻳﻘﺎﻋﺎﺕ ﺻﺎﺧﺒﺔ ﺭﻧﺎﻧﺔ, ﻭﻫﻮ ﺗﻘﻠﻴﺪ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﻹﺳﺘﻘﻄﺎﺏ ﺇﻧﺘﺒﺎﻩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﻹﺧﺒﺎﺭﻫﻢ ﺑﺄﻣﺮ ﻫﺎﻡ، ﺃﻭ ﻟﻼﻳﻌﺎﺯ ﺑﺎﻹﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻟﻠﺤﺮﺏ ﺃﻭ ﻣﺎ ﺷﺎﺑﻪ.

 

علامات تباوية فارقة

السعي وراء الحقوق المدنية والدستورية أمر يشابه النضالات الوطنية والمقاومات الشعبوية حول العالم وفي كثير من الدول التي تقطن فيها الأقليات العرقية والدينية , حيث يًعاني سكان التبو في ليبيا ليومنا هذا من تدنئ الحرية المدنية وممارسة الحياة السياسية في المناطق الجنوبية , بالإضافة إلى نقصان الحقوق الفردية التي تخص المواطن التباوي كحقه في إستخراج بطاقة الهوية الليبية , الترجمة الفورية الخاصة بالمتهمين في المحاكم الليبية , وتراخيص لمزاولة الأعمال التجارية . يأتي هذا ضمن جملة من القرارات التعسفية التي طالتهم إسوة بغيرهم من الأمازيغ والطوارق في تعمد لوئد الثقافات الحية الأصيلة داخل المجتمعات المختلطة , ودعم الهوية الأحادية دون غيرها .. فوفقاً لهذا الجدول الزمني والذي يوضح القوانين والقرارات منذ سنة 1984 حتى 2014 مدى محاولات الأنظمة والحكومات المتعاقبة على ليبيا طمسها والحد من شأنها :

 

محطات قانونية

 

 نحن لا نتسول حقوقنا 

 

في مقابلة مع عضو الهيئة التاسيسية لصياغة الدستور والناشط الحقوقي . أ. خالد وهلي يسرد لنا في هذه المقابلة أهم المحطات التي مر بها التبو من خلال رؤيته القانونية والحقوقية.

يقول سيد وهلي أن بعد رفض الأغلبية في لجنة صياغة الدستور لمبدأ التوافق الذي نص عليه الإعلان الدستوري , وتجاهلهم للغات الأصيلة فإن التبو لن يتخلو عن كفاحهم في العمل على إسئصال حقوقهم , فنحن لا نطالب بمنحة أو هبة فــ “ التبو مواطنون ليبيون كغيرهم “ . ولن نقبل بأن نكون مواطنوا درجة تانية كما كنا سابقاً في زمن التهميش والإقصاء . كما أن الذي نطالب به نحن التباويون اليوم ليس بجديد , فقد طُبقت هذه المطالب في السابق في العديد من دول العالم والدول المجاورة والتي إعترفت بحقوق الأقليات من السكان الأصليين .

حيث يواصل السيد وهلي بقوله : أن التبو واجهوا تحديات عديدة بدايةً من عهد القذافي وصولاً إلى ما بعد ثورة فبراير , والتي كانت ولازالت لا تخلو من التشكيك الدائم في جنسية وإنتماء التبو في ليبيا , ناهيك عن المطالبات المتتالية من جهات رسمية بسحب الجنسية الليبية منهم ..

نحن نطالب بأن يُقر الدستور أن ليبيا هي بلد متعدد الثقافات والأعراق

شارك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة البيرو الإعلامية