طفرة إعلامية غير مسبوقة، هكذا يُوصف المشهد الإعلامي في ليبيا بعد التغيير الذي شهدته البلاد عام 2011, حين ظهرت الصحف المطبوعة في كل نقطة من ليبيا، و ولدت المحطات الإذاعية والتلفزيونية على اختلاف توجهاتها و اهتماماتها.
فقد نتج عن إسقاط نظام القذافي فضاء استطاع فيه الصحفيون الشباب و المؤسسات الإعلامية أن يعملوا في جوِِ من الحرية النسبية و البدء بتعلم مهنة التغطية الصحفية، غير أنه نتج عن هذا التغيير أيضاً فضاء استطاعت فيه الجماعات المسلحة من العمل بحرية و تعزيز نفوذها عبر العنف. وبهذا، أصبح الخطر الأكبر الذي يهدد الصحفيين يأتي اليوم من مجموعات مختلفة من الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق السيطرة المركزية و التي تعاقب الصحفيين الذين ترى أنهم يعملون ضد مصالحها.

و بعد مرور سبع سنوات, إنتقل الوضع الإعلامي و الصحفي في ليبيا من طفرة غير مسبوقة إلى أزمة غير مسبوقة في هذا المجال, فأصبحت ممارسة الصحافة مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل الصراع المحتدم على السلطة, مما أدى إلى تزايد حالات الانتهاكات ضد الصحفيين, حيث ينعم مرتكبي هذه الإنتهاكات من إفلات تام من العقاب وسط مناخ يدفع نحو إخلاء البلاد من صحفييها. و هذا ما تؤكده مؤشرات التقارير الدولية حول حرية الصحافة في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

تراجع مخيف ومصير مجهول

بالرغم من النقلة النوعية التي شهدتها الصحف في ليبيا, و الكم الهائل الذي بدأ بالصدور عن مؤسسات مستقلة عقب التغيير الحاصل في عام 2011. سرعان ماشهد قطاع الصحافة المكتوبة تراجعاََ, ليصل إلى أسوء أحواله خلال السنوات الأخيرة. إذ تؤكد لنا هيئة دعم و تشجيع الصحافة, وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تسجيل و دعم الصحف و المجلات المطبوعة.
بحسب سجلات هذه الهيئة حتى بداية عام 2014, يوجد عدد 387 صحيفة و مجلة تم توثيق بيناتها في كشف المنظومة الصحفية لدى الهيئة. بينما تراجع العدد إلى 4 فقط مع بداية عام 2018, 3 صحف و مجلة واحدة.
 و يُرجع المسؤولين في الهيئة هذا التراجع إلى قلة الإمكانيات لديهم, مما يحول دون متابعتهم ودعمهم للصحف و المجلات المسجلة لديهم, كما أن الإنتهاكات التي تعرضت لها بعض تلك الصحف أو الصحفيين العاملين بها أدى إلى إغلاق العديد منها.

 


نزوح الصحافة

أصبح وجود صحافة حرة في البلاد مهدداً بالخطر, خاصة مع تزايد حالة نزوح الصحفيين من البلاد، الذين يفضلون الذهاب إلى المنفى لمواصلة عملهم الإعلامي, أو يختارون التوقف عن ممارسة هذه المهنة, التي أصبحت محفوفة بالمخاطر إلى حد مفرط. أما أولئك الذين يختارون البقاء، فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على التخندق في صف أحد الأطراف المتنازعة عسكرياً أو سياسياً.
ويبقى المنفى في الغالب هو السبيل الوحيد للصحفيين الليبيين, من أجل مواصل النشاط الإعلامي في ظل الإنتهاكات التي تُمارس ضد الصحفيين في ليبيا. 

فبحسب الأرقام و الإحصائيات التي تحصلنا عليها من قبل منظمة مراسلون بلا حدود. منذ عام 2014 اضطر 83 صحفي و صحفية إلى الفرار من ليبيا و ممارسة نشاطهم الصحفي من المنفى بسبب إنتهاكات تعرضوا لها في ليبيا. لا يزال 67 منهم في المنفى حتى اليوم. بينما 16 منهم عادو إلى ليبيا.

أما على صعيد المؤسسات الاعلامية, يُفضل القائمون على القنوات التلفزيونية أن تكون مقراتهم خارج ليبيا, لما يُمثله وجودها في الداخل من خطر حقيقي على إستمراريتهم في العمل. فبعد عدة حوادث إعتداء تعرضت لها مقرات أو مكاتب القنوات داخل ليبيا, اضطرت بعض القنوات للإغلاق نهائيا بعد تكرار الإعتداءات عليها, مثل قناة العاصمة و قناة الدولية, إذ تسببت الإعتداءات على هاتين القناتين لإغلاقهم بشكل نهائي. قناة النبأ أيضاً بعد أن كانت تبث من داخل العاصمة طرابلس, تم نقل استديوهات القناة إلى تركيا في العام 2017. وذلك بعد تكرار الإعتداءات على مقر القناة, والاستهداف المسلح ضدها في أكثر من مناسبة.
و تشهد ليبيا اليوم نزوحاً للمؤسسات الصحفية بشكل غير اعتيادي, إذ يصل عدد القنوات التلفزيونية التي تبث من خارج ليبيا مع بداية العام 2018, إلى 7 قوات تلفزيونية تبث من دول مختلفة, نتيجة لعدم وجود ضمانات أمنية أو بيئة عمل مناسبة لتلك القنوات.

صحفيون في المنفى

ثلاثُ تُهمِِ مثيرةُُ للضحك, هكذا يصف الصحفي عبد الوهاب العالم التُهم التي نُسبت إليه, عندما أقدمت مجموعة مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني حسب وصفه في مدينة طرابلس بإعتقاله في أواخر عام 2016. أثناء قيامه بإعداد تقرير صحفي عن نادي ”الغزالة“ للكتاب, داخل أروقة جامعة طرابلس ”ب“ (ناصر).
يقول عبد الوهاب أن مجموعة مسلحة قامت بإعتقاله من داخل الجامعة, في ذلك اليوم حيث قاموا بأخذه إلى أحد مراكزهم بالقرب من الجامعة, بدون وجود سبب واضح و منطقي يدفعهم لإعتقاله. 

 قاموا بالتحقيق معي لعدة ساعات قبل البدء في ضربي وتعذيبي

هكذا بدأت حكاية عبد الوهاب مع الإعتقال والذي استمر لمدة ثمانية أيام, يقول ”العالم“ لقد قاموا بأخذي من الجامعة و التحقيق معي لعدة ساعات, تم إستجوابي خلال تلك الساعات عن الجهات الإعلامية التي أعمل لها. كما قاموا بسؤالي عن أسماء بعض الصحفيين والنشطاء, و إستعراض بعض الأعمال السابقة لي, و توجيه التُهم عن كل حرف وكلمة قمت بكتابتها.
خاصة تلك المقالات و التقارير ذات الطابع الحقوقي والتي أحاول أن أبرز من خلالها الحقوق الثقافية التي تُسلط الضوء على منظمات المجتمع المدني في ليبيا.

يواصل عبد الوهاب حديثه عن هذه الحادثة ويقول, بعد كم هائل من الأسئلة الغريبة تم نقلي إلى مكان إحتجاز أخر, حيث تعرضت هناك لأبشع أنواع التعذيب. كانوا يضربونني بكل ماهو متاح لديهم, و يقومون بصعقي بالكهرباء. حيث تواصل تعذيبهم و ضربهم لي طيلة ثمانية أيام قضيتها هناك.

” الإلحاد , العمالة لجهات ماسونية , تخريب عقول الشباب“

هذه هي التُهم التي نُسبت لي أثناء فترة إحتجازي, لم أفهم كيف قاموا بإستنتاج كل هذا الهراء, ولكن ما أفهمه جيداً أن التطرق للقضايا الحقوقية و الحديث عن الأنشطة الثقافية في المجتمع, أمر يزعجهم جداً.

بعد ثمانية أيام قاموا بإطلاق سراحي, و لكنهم لم يتوقفوا في متابعتي و الاتصال بي بشكل متكرر لمدة 6 أشهر, و هي المدة التي قضيتها في ليبيا قبل مغادرتي. خلال هذه المدة تركت العمل الصحفي خوفا على سلامتي, كما أن المؤسسة الاعلامية التي كنت أعمل لها, طلبت مني التوقف خوفاً من أن تتم ملاحقة زملائي الأخرين. 

بعد 6 أشهر قضيتها بعيدا عن أي نشاط صحفي, غادرت ليبيا متجهاً إلى تونس, و التي كانت الخيار الوحيد المتوفر أمامي من أجل الاستمرار في العمل الصحفي. كانت لي رغبة كبيرة في العودة للعمل في مجال الصحافة, خاصة بعد كل تلك المدة التي قضيتها بعد اعتقالي دون ممارسة أي نشاط صحفي.
واجهت بعض الصعوبات في البداية غالبا كانت صعوبات مادية, ولكن تمكنت من العودة للعمل مجدداً, إذ تمكنت من الحصول على عمل هنا في تونس لدى مؤسسة إعلامية ليبية, كما عاودت الكتابة ونشر المقالات الصحفية كما في السابق.

كان هذا السبيل الوحيد من أجل العودة لممارسة العمل الصحفي

الخروج من ليبيا كان الخيار الوحيد أمامي من أجل العودة لحياتي في المجال الصحفي, بالرغم من أنني تلقيت عدة اتصالات من نفس الجهة التي قامت بإعتقالي في ليبيا, فقد كانوا يسألونني عن ماذا أعمل الأن ولماذا خرجت من لبييا وغيرها من الأسئلة. كانت محاولة منهم لممارسة الرقابة والضغط النفسي, وإيصال بعض الرسائل التي مفادها أنهم يستطيعون الوصول لي حتى وإن كنت في تونس.في البداية كنت حذراً قليلاً, ولكن مع مرور الوقت أيقنت أنني يجب أن لا أكترث لهم, و أن أواصل عملي بكل حرية و هذا بالفعل ماقمت به وهذا ما أنا عليه الأن.
أرى أن قراري بمواصلة العمل في هذا المجال, لا يجب أن يكون محدوداً أو مقيداً بخطوطِِ حمراء, فالصحفي مسؤول عن ما يقوم بنشره للناس. لذا أتخذت قرار مواصلة العمل من خارج ليبيا, فلا يمكن مواصلة العمل من الداخل في ظل وجود خطوط حمراء تقيد العمل الصحفي. 

صحفي مع وقف التنفيذ !

لقد دفعت عمليات الإختطاف والقتل والإعتقال القسري بالصحفيين إلى توخي الحذر أثناء التغطيات الصحفية. فالعديد من الصحفيين في ليبيا, يواصلون عملهم من داخل ليبيا ولكن بحذر شديد, إذ غالباً ما يتم فرض قيود تقوض عملهم على الأرض.

الصحفي ”محمد النائلي“ الذي يعمل كمراسل لوكالة شينخوا الصينية, في حديثه لنا عن حادثة الإختطاف التي تعرض لها في أواخر أكتوبر 2015, من قبل مجموعة مسلحة مجهولة الهوية لمدة 30 يوماً.

يقول ”النائلي" : كُنت بالقرب من مكان إقامتي بمنطقة "طريق المطار" عندما قاموا بأخذي تحت تهديد السلاح, لم أتمكن من التعرف عليهم, ولا السبب من وراء استهدافهم لي بشكل واضح. كل ما أعرفه أنهم كانوا يمقتون عملي و يعتبرونني جاسوساً لدولِِ أجنبية, وذلك بسبب عملي لوكالات أنباء غير محلية. فقد قاموا بتوجيه تُهم غريبة و مضحكة, على سبيل المثال: كانوا يقولون أنني قمت بإعطاء معلومات للعدوّ, من أجل إسقاط طائرة عمودية كانت تحمل على متنها قيادات عسكرية من المنطقة الغربية. (هنا يقصدون الطائرة العمودية التي سقطت في منطقة "الماية" بتارخ 2015_10_27) .

تعرضت خلال فترة احتجازي لأسوء أنواع الاعتداءات الجسدية واللفظية

يواصل ”النائلي“ : بعد إطلاق سراحي مررت بفترات عصيبة من أجل تخطي هذه المحنة, ومع مرور الوقت عاودت العمل الصحفي, ولكن هذه المرة بحذر شديد. فالبيئة التي نعمل بها هنا في ليبيا تُحتم علينا الحذر أثناء العمل وعدم التطرق لكل المواضيع, من الطبيعي جداً أن لا يقوم الصحفيون هنا, بإنتاج أي عمل صحفي يُنافي مصالح الجماعات التي تٌسيطر على الرقعة الجغرافية التي يعمل بها الصحفي.

لم تكن حادثة الإختطاف هو الإعتداء الوحيد من الجماعات المسلحة

لقد تعرضت أثناء عملي في السابق إلى العديد من الاعتداءات من قبل الجماعات المسلحة, خاصة عندما يتعلق الأمر بتغطية مناطق النزاع, أو الأحداث ذات الطابع الجدلي الذي لا يروق لأصحاب السلطة هنا. هذا ما جعلني أعمل بشكل حذر و تحت ضغط شديد. أصبحت أبتعد عن التغطيات في أماكن النزاعات أو تغطية المواضيع السياسية الشائكة.
لا أحبذ العمل تحت كل هذه القيود التي فٌرضت علينا, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, ولكن هذا هو الخيار الوحيد أمامي من أجل مواصلة العمل في هذا المجال.

مؤشرات دولية 

ممارسة العمل الصحفي في ليبيا ممارسة محفوفة بالمخاطر, حيث تُصنف المنظمات الدولية ليبيا, كأحد أكثر الدول خطورة لمهنة الصحافة, إذ يضع النزاع المسلح و الإنقسام السياسي القائم منذ عام 2011 الصحفيون و الوسائل الإعلامية كأول ضحايا هذا النزاع بين الأطراف المتناحرة في مختلف المدن الليبية.

مراسلون بلا حدود وهي منظمة دولية معنية بالدفاع عن حرية الصحافة و الصحفيين حول العالم, تؤكد هذه المنظمة حسب تقاريرها السنوية حول ليبيا منذ عام 2011,  أنه تم تسجيل ما يزيد عن 331 حالة إنتهاك في حق الصحفيين في ليبيا حتى نهاية عام 2016, وهي جرائم حظيت في الغالب بالإفلات من العقاب.

وبحسب إحصائيات تحصلنا عليها من منظمة مراسلون بلا حدود, سُجلت في الفترة مابين 2011_2014
(168) حالة إنتهاك ضد الصحفيين في ليبيا. وفي الفترة مابين عامي 2014_2016 حوالي (163) حالة إنتهاك, لتكون الحصيلة في الفترة الممتدة بين عام 2011 حتى عام 2016. حوالي 331 حالة إنتهاك ضد الصحفيين و كانت هذه الإنتهاكات على النحو التالي :

و ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تشرف عليه منظمة مراسلون بلا حدود و الذي يصدر عنها سنوياً. حلت ليبيا في عام 2018 في المرتبة 162 من أصل 180 دولة يشملها هذا التصنيف. إذ صُنفت ليبيا ضمن الدول التي يُعد وضع حرية الصحافة فيها بالوضع الخطير جداً, حيث جاءت ليبيا ضمن الدول باللون الأسود, الذي يرمز إلى تدني مستوى الحرية الذي يتمتع بها الصحفيون في ليبيا, وهذا يؤكد المؤشر الخطير الذي تعاني منه ليبيا في السنوات الأخيرة على صعيد حرية الإعلام و الصحافة.

و وصفت المنظمة في تقريرها الأخير, أن ليبيا تعاني من حالة تفريغ من صحفييها الذين يعانون من كثرة الإنتهاكات المتكررة, مما جعلهم يختارون المنفى في غالب الاحيان من أجل الحفاظ على سلامتهم, و ممارسة عملهم الصحفي بقدر أكبر من الحرية.

 

شارك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة البيرو الإعلامية