الهجرة من دول جنوب الصحراء الإفريقية نحو دول شمال المتوسط لطالما إرتبط هذا الملف بإسم (ليبيا) في السنوات الأخيرة. إذ يرى المهاجرون في ليبيا تلك البوابة الذهبية التي تتيح لهم فرصة عبور البحر هرباً من جحيم الفقر والحروب في بلدانهم إلى دول توفر لهم حياة كريمة.
رحلة قد تبدو سهلة في بادئ الأمر لهؤلاء المهاجرين, ولكن  هذه الرحلة تُخفي في طياتها العديد من المفاجأت والمخاطر.

المهاجرون العابرون من ليبيا عبر حدودها الجنوبية التي لم تعرف إستقراراً منذ سنوات. وبعد رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر عبر المدن الليبية يجدون أنفسهم أمام ثلاث خيارات, إما المجازفة بعبور البحر في أحد قوارب المهربين غير الآمنة, أو العودة إلى ديارهم عبر نفس الطريق المحفوف بذات القدر من المخاطر عبر الصحراء, أو البقاء في ليبيا بحثاً عن العمل.

وفي جميع هذه الحالات, غالباً ما ينتهي الحال بالمهاجرين داخل أحد مراكز الإيواء التي خصصتها الدولة الليبية من أجل تجميع المهاجرون و محاولة إيجاد حلول منطقية لهم.

المهاجرون القابعون داخل هذه المراكز بالألاف ونظراً للأعدادهم الكبيرة, يعيشون ظروفاً صعبة نظراً لضيق الأماكن التي يُحتجزون بها وقلة الإمكانيات التي توفرها تلك المراكز لهم, مما يجعل من حياتهم داخل هذه المراكز أشبه بالكابوس.
 هنا يصبح المهاجر الذي كان يطمح الى الوصول الى اوروبا والحصول على حياة كريمة بين نارين, إما نار البقاء داخل هذه المراكز والعيش في ظروف غير مناسبة, أو نار العودة من حيث أتى ومواجهة الفقر والحروب هناك في بلده.

الهروب من الحرب إلى السجن

حواء الأثيوبية البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً, وجدت نفسها مع زوجها الذي هربت معه من ويلات الحرب في بلدها داخل (سجن) هكذا وصفت حواء مركز الإيواء التي تُحتجز بداخله في مدينة طرابلس.

هربت حواء من ويلات الحرب في بلدها برفقة زوجها بعد أن فقدت كامل أفراد أسرتها هناك نتيجة الحرب, و بسبب الظروف السيئة التي عاشتها حواء لم تستطع أن تُكمل دراستها فهي لم تدرس إلا للصف العاشر.

وتقول حواء إنها وبعد مغادرتها لبلدها أثيوبيا نحوّ ليبيا لم يكن لديها حلم الوصول إلى السواحل الأوروبية كما هو حال العديد من المهاجرين العابرين لليبيا, فهي لا تريد إلا النجاة من الحرب والعمل والحياة بشكل جيد بمكان أمن.

وتواصل حواء حديثها حول ما حدث لها في ليبيا وتقول بأنها تعمل في ليبيا كخادمة في المنازل من أجل الحصول على قوت يومها.
حيث تروي لنا تفاصيل إعتقالها بعد أن إقتطعت إجازة من عملها في أحد منازل الليبيين, وإنتقلت رفقة زوجها لمكان سكن جديد بمنطقة (قرقارش) وبعد مضي عشرة أيام فقط حدث ما حدث, إذ قامت إحدى المجموعات المسلحة بإقتحام أماكن سكنهم وأخذهم إلى مراكز إيواء المهاجرين غير الشرعيين, مؤكدة أنهم لم يكونو على علم بوجود مشاكل بمكان سكنهم الجديد وإنهم لم يقوموا بإرتكاب أي ذنب, كل ما كانو يقومون به هو العمل كخدم في منازل الليبيين.

وعند سؤالنا لحواء عن رغبتها في العودة الى بلدها قالت إنه في حال عودتها سوف تموت بكل تأكيد بسبب الحرب هناك, كما إنها لن تجد مكان تلتجئ له بعد أن فقدت كل أفراد عائلتها.
وتقول حواء:

لقد خرجت من بلادي لكي أستطيع العيش في الدنيا

حواء تقول إنه ليس لديها حلم في هذه الدنيا فهي لا تريد سوى المغادرة الى بلد مسلم تستطيع العيش والعمل فيه مثل الدول الخليجية, إذ أنها عندما جاءت الى ليبيا لم تتوقع أن تواجهها كل هذه المشاكل وأن ينتهي بها الحال وراء قضبان حديدية داخل مراكز إيواء أشبه بالسجن كما جاء في وصفها.
وبصوت يملؤه الحزن تقول:

كنت فقط أود العمل والعيش في بلاد المسلمين.. ولكن لم أجد ما كنت أتوقعه

 

أطماع المهربين .. ولا ذنب لـ الليبيين

هنا قصة مهاجرة من نيجيريا تبلغ من العمر 31 عاماً بأحد مراكز الإيواء في ليبيا, بصوت مضطرب تتوسل في حديثها لحكومة نيجيريا والحكومات الأوروبية بأن ينظروا إلى حال المهاجرين النيجيرين في ليبيا.
تقول هذه المهاجرة إنها كانت تدرس في بلدها نيجيريا, قبل أن يخبرها المهربون هناك, أنهم سوف يرسلونها من أجل العمل كمدبرة منزل في ليبيا من أجل الحصول على المال.

وتصف هذه المهاجرة رحلتها من نيجيريا الى طرابلس عبر سبها, بأنه تم إساءة معاملتهم من قبل المهربين هناك, تقول إنهم لا يأبهون لحياتنا أو مستقبلنا فقط يفكرون في المال, حيث يقوم العابرون للحدود الليبية من دولة نيجيريا بدفع 7000 ألاف دينار ليبي أي مايعادل 2 مليون نيرا نيجيري, يقومون بدفع هذا المبلغ من أجل الوصول إلى ليبيا بطرق غير نظامية عن طريق التهريب عبر الحدود البرية فالبعض يسعى بأن يكمل طريقه وصولاً الى سواحل أوروبا والبعض الأخر منهم يريد البقاء والعمل في ليبيا من أجل كسب المال ثم المغادرة نحو أوروبا أيضا.

تقول هذه المهاجرة في حديثها أنه يتم معاملة المهاجرين بشكل سيْ جداً ويتم الإعتداء عليهم بالضرب بأسباب أو بدونها من قبل هؤلاء المهربين.

وتواصل حديثها مطالبة حكومة بلدها نيجيريا بأن تغلق حدودها وعدم السماح لأي مواطن نيجيري بأن يعبر الحدود نحو ليبيا مجدداً, نظراً لما حدث لها خلال رحلة عبورها عبر ليبيا وماتعرضت له من إستغلال من قِبل المهربين, وإجبارها على العمل في الدعارة من أجل أن يكسبوا المال شأنها شأن العديد من النساء المهاجرات اللاتي يتم إستعبادهن وإستغلالهن من قبل المهربين.

وبصوت يملؤه الحزن والندم تتوسل هذه المهاجرة من أجل عدم السماح لهم بالذهاب الى ليبيا مجدداً.

كل ذلك ليس من الشعب الليبي .. وإنما من الشعب النيجيري

مؤكدةً في سياق حديثها أن من يقوم بإرسالهن من أجل العمل في الدعارة في ليبيا ومن يقومون بإستعبادهن من أجل كسب المال هم رجال ونساء من نيجيريا وليسوا ليبيين.

إنتهاكات ضد الإنسانية ... 

إيمانويل البالغ من العمر 35 عاما من نيجيريا، يقول أنه جاء إلى ليبيا كي يعمل في طلاء الاسطح و الجدران, هذا ما كان يطمح إليه إيمانويل قبل أن يتم إيقافه رفقة عددِِ من المهاجرين النيجيرين الاخرين من قبل السلطات الليبية (بعض الجماعات المسلحة). و من هنا بدأت حكاية إيمانويل في ليبيا إذ يقول إننا تفاجأنا و إعتقدنا أننا بأيدٍ أمينة مع السلطات الليبية و كان من المفترض أن نُعامل كبشر..!

يقول إيمانويل عن المعاملة التي تلقاها هناك أعلم جيدا أنهم ليسوا أخصائيين نفسيين أو فلاسفة على أية حال،إنهم مجرد مسلحين, ولكن ما كنا نتوقعه لم يكن ما اعطونا اياه فأنا كإنسان أعلم حقوقي جيدا و بالطريقة التي عاملونا بها داخل المخيم (مركز الإيواء) لم تكن عادلة.

 

كنا نُعامل هناك ليس كالبشر وإنما كالحيوانات, ومعاملتهم معنا ونظراتهم إلينا كانت دائما على أننا حيوانات ولسنا بشرا مثلهم

هم يرون إننا نموت و لا يهتمون ولا يريدون أن يسمعوا لنا صوتاً و نحن نبكي من شدة الألم كل يوم و لايأبهون لذلك, كنا نصلي لله أن يحفظنا و ينقذنا و يخرجنا من هذا البلد لبلد أخر، فكل فرد منا يجب أن يعامل باحترام و ان يحترموا جنسياتنا.

كل ما كنا نفكربه أننا سود البشرة لهذا السبب نتلقى هذه المعاملة السيئة، وانا أعلم جيدا أن ما قاموا به هو ضد  الحقوق الانسانية الاساسية، فمن حق كل فرد ان يُعامل مثل انسان لا ان يُعامل كالحيوانات، فحتى الاكل الذي كانوا يعطوننا اياه “حتى الحيوانات تحتاج لأن تأكل ثلاث مرات في اليوم”  فالطعام الذي يًقدم لنا لا يُشبع حتى طفل ليوم واحد, ولكننا دارينا الأمر بيننا لاننا لا نثق بأحد إلا الله الذي يعلم الالم الذي نمر به ونشعر به و لا يمكن لمخلوق واحد ان يأتي لانقاذنا مما نحن فيه.

كما أرى أنهم يختلقون شيئا من التعالي بيننا وبينهم وبين العالم بأسره بالطريقة التي يعاملوننا بها، فأن سألت أحد النيجيرين و إن سألت الجنسيات الاخرى غانا مثلا أو ساحل العاج سيقولون الشيء ذاته 100% لأننا جميعا نعيش الظروف ذاتها, وعندما سنعود إلى بلداننا سنخبر أبنائنا و أحفادنا عما عانيناه وما عشناه فنحن نراهم الان كأعداء لنا، فلم نأتِ لبلدهم كي نسرق أو نعتدي على نسائهم،جئنا فقط لنعبرإلى بلد آخرفإن كان الوضع ببلدنا جيدا لما تركنا وطننا، ولأننا نملك القوة الكافية كي نعمل بجد ونعيش حياة كريمة.

ويستهل إيمانويل حديثه مخاطباً حكومة بلده نيجيريا قائلاً: ارجوكم اخلقو الفرصة لنا لكي لا نترك البلد، أعي جيدا أنه يمكن لحكومة البلد أن تخلق الفرصة لكل مواطن و بذلك يستطيع كل فرد أن يعيش حياة أفضل ولكن ليس بمخالفة القانون فلدينا أيدينا لنعمل بها ولهذا السبب نخرج كي نعمل ولكنهم يحرموننا من العمل أو التنفس أو حتى رؤية الشمس و هذا ما فعلوه بنا هنا ويعتبر ضد حقوق الانسان وضد الحقوق البشرية التي وهبها الله للبشر.

هذا جزء من قصتي هكذا يقول ويواصل حديثه: عندما أعود إلى موطننا سنقدم مذكرات الى المحكمة العليا و سنرفع قضايا على هؤلاء فنحن لسنا بإرهابين أو مجرمين، نحن لاجئين ومهاجرين فقط لبلد آخرلنحصل على حياة أفضل لأننا لم نجدها في بلدنا و أشكر الله أنني سأترك هذا المكان و أعود إلى وطني حتى إن كنت لا أملك ديناراً واحداً لأطعم نفسي به, فلدي السلام في بلدي فلا أحد سيأتي ليضربني كالكلب مرة أخرى، و لا أحد سيقدم على ضربي كالماعز مرة أخرى ولا أحد سيقول لي:


لاتنظر إلى الشمس ولا تخرج من أجل التنفس 

 

 

المهاجرون في أرقام 

مع تزايد عبور المهاجرين للحدود الليبية في السنوات الأخيرة, تحاول السلطات الليبية التعامل والسيطرة على الكم البشري الهائل المتدفق من دول جنوب الصحراء قبل وصولهم الى محطتهم الاخيرة و عبور البحر نحو السواحل الأوروبية. أيضاً البعض من المهاجرين يتم الإمساك بهم داخل البحر من قبل جهاز حرس السواحل و أمن المواني الليبية أثناء محاولتهم العبور نحو الشواطئ الإيطالية.

إذ توفر وزارة الداخلية الليبية عبر جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية عدداً من مراكز الإيواء بمناطق مختلفة يتم تجميع المهاجرين داخل هذه المراكز الى حين ترحيلهم بالتعاون مع بعض المنظمات الدولية المختصة بهذا الشأن أو سفارات دول المهاجرين المحتجزين داخل تلك المراكز.

مراكز الإيواء الرسمية والخاضعة لسيطرة وزارة الداخلية تتحفظ على عدد من المهاجرين يبلغ عددهم 19996 مهاجر ومهاجرة  هذه الإحصائية تم رصدها بتاريخ 31\10\2017 :

 

 

وبحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) رقم 14 سبتمبر2017, يؤكد هذا التقرير وجود 423.394 مهاجر داخل في22 منطقة, تم التعرف عليهم في 99 بلدية من أصل 100 و 525 محلة من أصل 675.
وكانت المناطق الأبرز التي يتواجد بها المهاجرون في هذا التقرير هي طرابلس بنسبة 18% مصراتة 17% - المرقب 11%. فيما توزع باقي المهاجرين على بقية مناطق ليبيا بنسب متفاوتة.

وبلغت نسبة البالغين من المهجارين 92% بينما القُصّر 8%, وكانت نسبة الرجال من إجمالي هذه الإحاصئية 88% و النساء  12% .

وبحسب التقرير كان المهاجرون داخل ليبيا من 38 جنسية مختلفة, وكانت الجنسيات الأكثر تواجداً بين المهاجرين في ليبيا هي النيجر 19% - مصر 18% - تشاد 15%.
فيما كان النصيب الأكبر من المهاجرين الموجودين داخل ليبيا من قارة إفريقيا إذ بلغت نسبة المهاجرين من شمال إفريقيا 31%, ومن جنوب الصحراء الكبرى 62%, أما بقية المهاجرين كانو من خارج القارة السمراء بنسب ضئيلة إذ بلغت نسبة المهاجرين من الشرق الأوسط بنسبة 2%, ومن مناطق أخرى بنسبة 5%.

شارك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة البيرو الإعلامية