الموسيقى بالنسبة لي ليست مجرد هواية للترفيه بل هي فكر خاص جداً 

 

كانت هذه كلمات عازف الغيثار "هاني الكوت" قبل أن يبدأ حديثه معنا واصفاً شغفه بالموسيقى, فكان وقع تلك الكلمات ممتزجاً بالإستياء و المرارة. حيث إستهل حديثه بالتعبير عن إنزعاجه قائلاً أن هذا النوع من الموسيقى لا يلقى جمهوراً مستمعاً أو مدققاً في كم المفاهيم والرسائل التي تحاول كل أغنية أن ترسلها.   

لم تكن موهبة وشغف هاني بهذه الموسيقى محضاً للصدفة فقد نشأ ”هاني الكوت" في عائلة داعمة للفن, هاوية للسفر ومتفردة بصداقة قوية مع كبار الموسيقيين والفنانين في ليبيا و خارج ليبيا, حيث تأثرت شخصيته بموسيقى الغرب كأمثال جون لينون وغيره والتي دفعته إلى تعلم العزف على الغيثار منذ فترة مبكرة من عمره فـشارك في العديد من الحفلات منها في إسبانيا واليونان وهو لازال في سن صغيرة, كما أن فترة شبابه تعد رقماً صعباً بين الجيلين القديم كـ ناصر المزداوي وأحمد فكرون والجيل الشاب الحديث, فقاوم و عزف في ظروف ركود فني وسياسة دولة كانت أشبه بالوحش الأسود الذي يلتهم أي آلة عزف موسيقية و يُطيح بأي فنان ناشئ رغب الإنخراط في عزف موسيقى الروك أو البلوز.

الشغف سر البداية

يقول هاني كانت بداية مسيرتي في منتصف التسعينيات عندما عُدت إلى ليبيا لم يكن حينها الفن الغربي واسع الإنتشار, حيث كان أغلب رواد الموسيقى الغربية يقتصر نشاطهم على بعض الحفلات و التجمعات الخاصة فقط. 

فكانت بدايتي عندما ألتقيت بمحض الصدفة مجموعة موسيقيين من الجيل القديم في حفلة خاصة, انطلقت من خلالها في مسيرتي الفنية مع تلك المجموعة والتي كانت تضم مجموعة من عاشقي الفن الغربي من الجيل القديم الذين حكمت عليهم الظروف أن يبتعدوا عن ممارسة هذا الفن بشكل علني للناس, وهذا ما أثر على فهمهم للموسيقى الغربية بشكل كبير.

” بدأت شخصيتي الفنية الحقيقية تتكون مع بداية الألفية الجديدة“

شاركت في العديد من الحفلات الخاصة داخل ليبيا مع بداية الألفية الجديدة لبعض الشركات الأجنبية في بعض الفنادق أو المقرات الخاصة للشركات, وفي عام 2008 كانت أول حفلة عامة أقدمها للجمهور في مسرح بن سليم في طرابلس, والتي كانت تُعد الأولى من نوعها منذ أن منع النظام الحاكم حينها ممارسة الفن الغربي بشكل علني.
و بعد عام 2011 إنخفض نشاطي الفني في ليبيا لعدة أسباب لعل أهمها الظروف الأمنية في ليبيا وسيطرة الجماعات المتطرفة التي لا يروق لها الفن بصفة عامة فما بالك بموسيقى الروك. لهذ إتجهت للعزف خارج ليبيا لوجود بيئة ملائمة هناك فأصبحت اليوم من العازفين المعروفين في جزيرة جربة التونسية وغيرها من المدن الأخرى التي قمت بالعزف فيها.

 

 

رحلة بين جيلين

يقول ”الكوت“: أن فترة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كانت من أصعب الفترات في تاريخ الموسيقى الغربية في ليبيا, فكان قبول الشارع لها صعباً جداً, فأستفردت موسيقى المرسكاوي و الريقي بإهتمام الناس والتي أصبحت الأيقونة الوحيدة للموسيقى الذي عُرف بها الشعب الليبي.

” أحترم كل الفنون ولكن يزعجني أن يسيس فن معين على حساب فن آخر ”

 فقد ساهمت سياسة الحكم الواحد أيضاً حتى في صناعة الفن في تلك الفترة. كما أن عامل الخوف بالنسبة للعازفين ساهم بشكل كبير في نهوض فئة فنية معينة على حساب فئة آخرى والتي سببت في هجرة الكثيرين كأمثال حميد الشاعري إلى مصر وفؤاد البشتي إلى لندن وجلال التركي وغيرهم من الفنانين.

أيضاً إلى جانب السبب الرئيسي لسياسة الدولة التعسفية تُجاه الفن هناك سبب آخر وهو ضعف التمويل من جهات عامة وخاصة والتي كانت وراء تحول العديد من فرق الروك والبلوز في فترة الثمانينات والتسعينات وإلى الآن إلى فرق طربية ( موسيقى الأفراح وصالات المناسبات ) فما كان من عازفي هذا النوع إلا توجيه أنفسهم نحو موسيقى آخرى مرغوبة من الجمهور و كثيرة الطلب عليها. 

كما أن الشارع الليبي لم يكن مهيأًً بشكل كبير في تلك الفترة لتقبل هذا النوع من الموسيقى لأنه سرعان ما طغت عليه موسيقى (النجع) والتي كونت الصورة الدائمة في ليبيا وخارجها أن هذا النوع الوحيد الموجود في ليبيا ولا يمكننا تصدير نوع أخر من الموسيقى. 

تجمعات موسيقية سرية 

يقول هاني: واجه الموسيقيون الليبيون العديد من الصعوبات والتي قللت من ديناميكيات التدريب والممارسة الموسيقية لديهم سواء في الأكاديميات الموسيقية أو في إقامة حفلات عامة, والتي جعلت من تجمعاتهم أمر محظوراً و نشاطاً غير قانوني, وفي ظل كل هذا أصبح عازفي الروك والمهتمين بالموسيقى الغربية في ليبيا يتجمعون داخل بيوتهم فقط  لتبادل الأغاني وإعادة حفظها وتلحينها آنذاك. 

نحن كجيل السبعينات ومن قبلنا أيضاً تعرضنا لظلم كبير من كافة النواحي سواء من الناحية السياسية والأعراف الإجتماعية وكذلك الشح المعرفي بالموسيقى الغربية الذي كان سببه إنغلاق الدولة عن ثقافات موسيقية مختلفة. 

إستقلالية و إعتماد على الذات

المعرفة هي السبيل الأول والأمثل للوصول, هكذا يصف ”هاني“ تجربته في الإعتماد على ذاته في كل شيء تقريبا, فقد أصبح في السنوات الأخيرة يميل إلى الإنتاج الشخصي عوضاً عن العمل ضمن مجموعات أو فرق قد لا تهيئ له بيئة عمل جيدة, فحاول مرات عديدة لتحضيرات Covers و أغاني بنفسه داخل منزله في طرابلس و العمل على تجهيز استديو مصغر خاص به يمارس فيه موسيقاه. كما عمل جاهداً على تعلم العديد من التقنيات الصوتية المعقدة على إنترفيس  ( Audio interface ) قام بشراءه فقط ليخرج لنا بعمل ذاتي وكامل.

” كنت أقضي ساعات على اليوتيوب حتى تمكنت من تعلم كيف أستطيع تسجيل أعمالي بمفردي“

قام ”الكوت“ بإنتاج أول أغنية ( نتمنى ) I wish بنفسه والتي لاقت صدى ممتاز في ليبيا وحصلت على الترتيب الأول في Radio chart في برمنغهام - إنجلترا والتي أعجب بها العديد من النقاد والمهتمين بموسيقى الروك.

” في فترةٍ ما وصلت لمرحلة أنني عزفت بدون فرقة ثابتة معي لإنني لم أجد فرقة تتناسب مع نوع الموسيقى التي أقدمها ” 

عدم وجود فرق موسيقية تتقن الموسيقى الغربية واللون الذي يتماشى مع شخصيتي الموسيقية, جعل مني أفضّل العمل ضمن مجموعات مؤقتة بدلاً من العمل مع فرقة دائمة, حتى يتسنى لي تقديم موسيقى مقبولة أكثر للجمهور سواء من خلال إختيار الأغاني أو الكلمات.

الموسيقى صفقة غير رابحة 

” لا أحاول الكسب من وراء الموسيقى , فالموسيقى بالنسبة لي هي المكسب ”

     

بجملة سريعة قالها هاني أن الموسيقى ليست تجارة فأنا لا يمكنني أن أمتهن الموسيقى كمهنة وصفقة أبيع بها لتكون مصدر دخل لي أو لعائلتي, فأنا مهندس كمبيوتر ويمكنني العمل في مجالي بشكل طبيعي جداً دون الترويج المبتذل لنفسي ولنوع الموسيقى التي أعزفها فبالنسبة لي أُفضّل ترك الموسيقى على أن أتاجر بها. 

هنا إستوقفنا عند جملته والتي أصر على أن الموسيقى فكر وليست مجرد منتج تجاري أو سلعة معينة فيقول أنا هنا لأحمل غيثارتي بغية وصول الكلمة الصحيحة والمرجوة بل لإيصال فلسفة معينة تساهم برقي ذوق الشباب وأي مستمع ليبي. فأنا ضد إحتكار الفن بصورة محدودة لإغراض سياسية أو إجتماعية معينة والتي تقلل من مساحة اللعب والإبداع في صناعة الموسيقى, وللإسف هذا ما حدث ولازال يحدث في ليبيا فالكثيرين يحاولون التجارة بفن معين لإغراض توجيهية وسياسية لأن الفن هو الوسيلة الأولى الرادعة والمقاومة بسلمية في ظل تدهور الدول. 

خطاب عنيف 

غالباً ما يتعرض الكثيرين من عازفي موسيقى الروك والميتال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى إنتقادات لاذعة بسبب نوع الموسيقى الصاخب وغير المفهوم بالنسبة لهم وأيضاً لقوة التقديم الموسيقي والأداء الجماعي, كما أن الوضع في ليبيا لا يختلف كثيراً فالعديد من الموسيقيين الليبيين الشباب يتم مخاطبتهم بشكل مشكك في عقائدهم الدينية والفكرية. يعقب الكوت بأن هذا النوع من الخطاب دائماً ما نتعرض له خاصةً على السوشيال ميديا فالغالبية ما تحقر من قيمة فنان الروك بشكل ما أو بآخر إما حجة دينية أو بحجة العُرف الإجتماعي الذي لا يقبل هذا النوع من الموسيقى.

” الفنان بدون جواز سفر لا يمكن تصنيفه وفقاً لجنسيته أو دينه أو لونه, الفنان إنسان فقط ”  

يقول هاني أن الكثيرين ومن ضمنهم أنا يتم توجيه لنا عبارات وجمل مسيئة كـ أنتم عازفي الروك, أنتم عبدة شياطين!. وغيرها من العبارات المسيئة , وهذا للأسف يسبب لنا عزوف تدريجي عن تقديم موسيقانا بشكل كبير .

 

 

شارك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة البيرو الإعلامية