وفقاً للتراجم المُعدة من قاموس أكسفورد الانجليزي فإن الشخصية النسوية هي تلك الداعمة أو المٌناصرة لحق المساواة بين الجنسين. بينما تذهب بعض التعريفات الأخرى إلي أن إختلاف المفهوم النسوي أو العمل النسوي النشط يعتمد على ديموغرافيا البلد والبيئة النسوية فيها إضافة إلى نوع الإضطهاد المٌمارس ضدها. فمثلا ً أنشطة الحركات النسوية في أفغانستان لن تكون مثيلةً  لإنشطة الحركات النسوية في النرويج. فمطالب الأولى تختلف تماماً عن مطالب الثانية من حيث (الأولويات, الوسائل والأدوات, طبيعة الحملات التوعوية ... إلخ).

سكيتشات نسوية 

 

ناضلت المرأة الليبية على مرّ عقود لنيل حقوقها في المجتمع, حيث إختلفت هذه المطالب من البيئة المدنية إلى البيئة الصحراوية والجبلية فكانت المطالب متساوية لحق التعليم والعمل سواء في الوظائف الحكومية أو مجالات الفلاحة والصناعة. حيث بدأت النضال المعرفي السيدة حميدة طرخان المعروفة بــ “حميدة العنيزي“ بتأسيس جمعية “النهضة النسوية“ عام 1954, حيث كانت أول جمعية نسوية مقرها في بنغازي تطالب بحق النساء في تقلد مناصب سيادية وعلمية ٌعليا, وتباعاً لنضال السيدة حميدة في مجال النسوية كانت لها أيضاً نشاطات موسعة في ريادة الأعمال الصغرى كتمرير المعارف في مجالات الحياكة والصناعات اليدوية.

وفي عام 1961 واصلت السيدة خديجة عبدالقادر تنمية عمل جمعية النهضة النسوية في طرابلس من خلال أعمالها الريادية ونشاطاتها التوعوية, حيث شهدت الفترة الممتدة مابين سنة 1957 حتى 1965 أكثر نقاط التحول في تاريخ النسوية والعمل النسائي المنفرد والجماعي في ليبيا, كما باشرت في ذات الفترة أول مذيعة برامج ليبية السيدة “عائدة الكبتي“ من خلال برامجها التي تقدم مضموناً ناضجاً وتوعوياً للمواطنة الليبية .

ومن خلال هذا فقد أفاد السيد "محمد زاقوب" صحفي متقاعد من العهد الملكي من مدينة بنغازي أن وضع النساء من خلال التحرر الفكري والوظيفي كان في أبهى صوره أثناء فترة الخمسينات والستينات قبيل سنة 1969 .

"الحركات النسوية هي من الحركات النضالية التي كانت تتطلع إلى التحرر والحرية كغيرها من الحركات"

يُضيف سيد زاقوب من خلال معاصرته لتلك الفترة أن التأثير النسوي كان حقيقياً سواء في الدولة أو المجتمع ككل, ورغم بداياته وندرته في تلك الفترة إلا أن وجوده كان حقيقياً وقوياً .

وأن العطاءات النسوية إستمرت وأندمجت العديد من ا نظمات النسوية لتشكيل الإتحاد النسائي الليبي عام 1965 , والذي كان نتاجاً طالبات نسوية متتالية بتشكيله والعمل على قضايا المرأة بشكل رسمي ومستقل. حيث شكلت الدوافع الجندرية الإحساس بالمسؤولية إتجاه بيداغوجية الإدماج والعمل بشكل موازِِِ للرجل .

ولم تتوقف هنا بل واصلت الجمعيات النسائية في تشكيل كيانات إجتماعية وحقوقية خاصة بها فساهمت في تحقيق قانون المساواة في العمل مع الرجل سنة 1970 بدقة ساعات العمل والمؤهلات وكذلك الأجور الممنوحة, أيضاً تأسست في نفس الفترة أول أكاديمية عسكرية نسائية يمنح فيها النساء حق التدريب والإنخراط داخل المؤسسات العسكرية كوحدات الجيش والشرطة والعمل جنباً إلى جنب مع الرجل دون التقليل من قدراتهن الجسدية والبدنية في واجبها للدفاع عن وطنها. في المقابل كان لها دور حقوقي وتوعوي جهور بحيث ساهمت في قانون حظر زواج القاصرات اللاتي هن أقل من 18 سنة, والذي يصبح زواجهن غير قانوني بموجب قانون رقم 17 لسنة 1992, أيضا ساهم الحراك النسوي المكون من أمهات وزوجات المعتقلين السياسين أثناء حكم القذافي سنة 2006 في معرفة مصير المعتقليين في تلك الفترة داخل السجون السياسية.

لا تنحصر النسوية للنساء أو الفتيات فقط, بل هناك أيضاً العديد من الرجال الذين يساندون حق المرأة في الخيارات الشخصية و الإجتماعية, بالإضافة إلى حقوقها المدنية و السياسية. وضمن هذه المساحة قامت “البيرو “ بإستطلاع لمجموعات شبابية نسوية  لخلق مساحة تعبير مشتركة عن الحركات النسوية في ليبيا مؤخراً.

“ظهور الحركة النسوية في ليبيا كان إنعكاساً للإضطهاد والعنف التراكمي“

فيمينستا توك 

 

تقول فاطمة العُمراني وهي إحدى مؤسسات حركة النساء الأمازيغيات TWM سنة 2015 بأن هناك فرق واضح بين الحركة النسوية كجسم أو كمطالب نسوية في الميادين وبين الحركة النسوية كفكر يُتبنى بشكل فردي, حيث أن المطالب النسوية ضمن مجموعات تُنادي فقط بمناصرة نسوية, بل تبحث عن حلفاء ومناصرين من كلا الجنسين, فالرجال هم أيضاً معنيون بدعم ومناصرة المرأة في كل المجالات.

أما المنهجية الفكرية أو الفكر الفردي للنسوية في ليبيا يختلف تماماً عن غيره في دول آخرى, وهذا ما يجعل أحياناً الفكر النسوي لربما مشتت إلى الأن في ليبيا و يرتكز على قاعدة ثابتة. تُضيف فاطمة أن الإضطهاد الذي يُمارس على المرأة الليبية في السابق لم يتوقف, بل مازال متواصلا ً إلى اليوم حيث تواجه العديد من السيدات مخاوف المشاركة السياسية والمنع من التعليم والعمل أو حتى نيل حقوقها في التصرف في جسدها الذي يعتبر ملكاً خاصاً بها.

تستطرد أيضاً بأن ليبيا جزء من منظومة عالمية وأن الحركة النسوية فيها تتأثر بالحراك النسوي العالمي, وأن المرأة الليبية قبل خمسينيات القرن الماضي يحق لها الممارسة السياسية بشكل حقيقي, فلولا الحراك النسوي المحلي في الداخل الذي تأثر بالحراك النسوي العالمي لمطالبتهن المتكررة في صنع القرار لما كان وجود المرأة الحالي في العديد من المناصب السيادية والقيادية العليا.

 

" لاأرشفة حقيقية للعمل النسوي في ليبيا, وهذه فعليا كارثة "

 

تعبر فاطمة بإستياء أن الأرشفة تغيب في ليبيا في كل المجالات مابالك بالعمل والحراك النسوي, فمثلا ً شخصيات كخديجة الجهمي ومرضية النعاس من أوائل النسويات اللاتي ساهمن بشكل كبير في تأسيس الإتحاد النسائي في ليبيا, وساهموا في إثراء العمل الإعلامي و الأدب النسوي لا تؤرشف أعمالهم بشكل حقيقي سواء عن طريق مناهج التعليم أو التسويق لهن كشخصيات نسوية ُمناضلة أو عن طريق ورش العمل اليوم.

كما تذهب الإعلامية سناء المنصوري بقولها

 

"ليس هناك حركة نسوية حقيقية في ليبيا سواء في السابق أو في الوقت الحالي"

فأغلب الحركات النسوية  مُولت سابقاً عن طريق دار الإفتاء والأزهر لأغراض فكرية وإيديولوجية, أما الحركة النسوية الحقيقية والوحيدة التي كانت إبان سن القذافي لقانون منع المرأة من السفر بمفردها بعد حادثة مقتل سيدة ليبية في حانة في القاهرة, فأرتفعت أصوات النساء منددة آنذاك بإلغاء هذا القانون كونه إجحاف في حق العديد من النساء اللاتي يسافرن لغرض الدراسة والعمل وتحقيق ذواتهن الشخصية.

 

تُضيف المنصوري أن الحراك النسوي الممول من قبل جهات دينية أو ذو إيديولوجية توجيهية هذا سيجعل الأمر أسوء بكثير مما هو عليه, مثلما حصل في أواخر الثمانينات وحتى وقتنا الحالي دخول الحركات الإسلامية المتطرفة كالإخوان المسلمين والحركات الوهابية التي جعلت من المرأة محدودة المهام والقرارات, على عكس الفترة الممتدة مابين ستينيات القرن الماضي حتى بداية الثمانينات حيث كانت المرأة الليبية أكثر إستقلالية وإختلاطاً بالمجتمع.

حيث ترى سناء أن النسوية تبدأ من البيت بمعاملة الأطفال من كلا الجنسين بمساواة وعدل دون تفضيل جنس على الآخر بحجج مجتمعية  والتعامل مع الجميع في الشارع والعمل لابد ان يكون بمساواة أو عدم تحيز لجنس على الآخر.

 

وبنظرة شبابية فسرت خريجة البرنامج التبادل الطُلابي في أمريكا MEPI رهام عون بأن الحراك النسوي اليوم يواجه  عدة مفاهيم خاطئة في تحجيم قدرات المرأة بالقيام بالعديد من الأعمال, وأنها تدعو إلى الحكم على جدارة العمل والمؤهلات لا على العنصر الإجتماعي, فعلى سبيل المثال وداد الساقزلي وزعيمة الباروني والعديد من الليبيات في السابق قُمن بتحدي هذه المفاهيم الخاطئة وأن المرأة الليبية قادرة على تحقيق الإنجازات خارج المنزل .

كما تقول رهام أن التغيير الذي ينجم عن الحراك النسوي في ليبيا بطئ جداً ولكن لامفر منه, وأنا بدوري كشابة ليبية على أن أنجز عملي على أكمل وجه والمساهمة في تشجيع أعمال النساء الآخريات.

حيث إستطاعت أن تترأس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة-الدورة 59 بجنيف وهي المندوبة الدائمة لليبيا لدى الأمم المتحدة .

 

شارك

جميع الحقوق محفوظة لمنصة البيرو الإعلامية