”مريم ابراهيم” .. الوجه الأخر لمفهوم التبني في ليبيا

أواخر خريف 2016 كانت نقطة التحول الأكبر في حياة “مريم إبراهيم” (اسم مستعار) و التي كانت تبلغ من العمر حينها 17 ربيعاً,  بعد أن قامت بالتخطيط لمثل هذه الخطوة لعدة أشهر غادرت معبر رأس جدير بعد هربها من منزل العائلة التي تمكثُ معها بمنطقة سوق الجمعة في الضاحية الشرقية للعاصمة طرابلس.
غادرت إلى تونس هرباً من العذاب الشديد حسب وصفها و الذي لحق بها من تلك العائلة التي تكفلت بتربيتها بعد وفاة أبويها بالتبني.

هكذا كانت نقطة التحول في حياة هذه الفتاة لتجد نفسها وحيدة أمام تحدي يفوق طاقتها و إدراكها للحياة في بلدِِ غريبِِ عنها.

 

 

بدأت “مريم” حديثها لنا عن حياتها كفتاة مجهولة الأبوين وُلدت في عام 1999 لتجد نفسها داخل دار الأيتام بمنطقة أبوهريدة بمدينة طرابلس, قبل أن يقوم زوجين من منطقة سوق الجمعة بتبنيها عندما كانت تبلغ من العمر شهراً واحداً فقط.

لم أدرك أنني مجهولة الأبوين و أنني لست إبنتهم إلا بعد وفاتهم

هكذا وصفت مريم الفترة التي عاشتها رفقة أبويها بالتبني. فلم تكن تشعر طيلة فترة طفولتها بأنها مختلفة عن باقي أقرانها, ولم تكن تعلم بحقيقة تبنيها من دار الأيتام طيلة المدة التي عاشتها معهم. 

فبعد أن قضت طفولتها رفقة أبويها بالتبني سرعان ما بدأ حالها يتبدل بعد وفاة الأم في عام 2011 وتلاها الأب عام  2012. لتجد نفسها وحيدة مجدداً بعد أن قضت ثلاثة عشر عاماً من عمرها رفقتهم.
حيث تم إعلامها من قبل أقارب عائلتها بأنها ليست إبنتهم البيولوجية وإنما هي إبنة دار الأيتام, و ما هي إلا أيام قليلة حتى اجتمعت العائلة (أقارب والديها) من أجل تحديد مصيرها. حينها تم الإتفاق على أن تنتقل للعيش في منزل خالها بالتبني, وذلك لكونه الأقرب لمنزل والديها و عدم وجود إمكانية بأن تعيش بمفردها في منزل والدها الذي تركه لها.

 لم تكن تلك العائلة راضية عن انتقالها للعيش معهم, ولكن احساسهم بالمسؤولية الإجتماعية و خوفهم من نظرة بقية الأقارب لهم كان له تأثير كبير في قبولهم لها.

لم يكونوا مرحبين بأن أكون جزء من عائلتهم ولكن خوفهم من نظرة بقية الأقارب أجبرهم على أن يتقبلوا وجودي بينهم

لم يكن هناك تبني قانوني ولا أي إجراءات تفيد نقل “مريم” إلى عائلتها الجديدة. فقد كانت في عمر صغير حينها فقط ثلاثة عشر عاماً ولم تدرك ماهي الإجراءات التي يجب إتباعها في مثل هذه الحالات. فبحسب السّجلات الموجودة لديها فهي لاتزال مُدرجة ضمن سجلات والديها المتوفين ولم يتم تبنيها بشكل قانوني من قبل العائلة الأخرى, هذا ما تسبب لها في بعض المشاكل لاحقاً خاصة عندما أرادت الحصول على الرقم الوطني أثناء دراستها في الشهادة الثانوية.

سنوات عجاف

قضيت أربعة سنوات معهم كانوا الأسوء في حياتي .. كانو يعاملونني كخادمة لهم

 كانت تلك العائلة لا تخفي إستياها من وجود مريم بينهم, فمنذ الأيام الأولى لإنتقالها للعيش معهم كانت تُعامل على أنها خادمة في ذلك المنزل. لتجد نفسها كشخص منبوذ بينهم فلم تشعر يوماً بأنها جزء من العائلة, لم تكن تشاركهم جلساتهم العائلية أو عطلاتهم أو حتى الحديث العائلي الذي كان يجمعهم. كانت تُعامل طيلة تلك السنوات على أنها شخص دخيل فُرض عليهم بحكم الأعراف المجتمعية.

و بعد مرور حوالي سنتين من إنتقالها للعيش معهم قررت و للمرة الأولى عدم السكوت و إخبارهم بأنها لا ترغب في مواصلة العيش معهم. الأمر الذي لم يعيروه أي اهتمام ولم يبالي أحد منهم بما تقول.

 فما كان لمريم حينها الإ اللجوء إلى مسؤولة الخدمات الإجتماعية في مدرستها الكائنة بمنطقة سوق الجمعة (مدرسة أم المؤمنين) و إخبارها بما تعانيه مع العائلة التي تعيش معها. وبعد إصرارها في العديد من المرات تمكنت في أخر يوم دراسي لها أن تقنع الإخصائية الاجتماعية بمدرستها بإصطحاب موظفة من الشؤون الاجتماعية إلى منزلها من أجل التحقق من وضعها الأسري و إخراجها من تلك العائلة.

كنت أعتقد بأن وزارة الشؤون الاجتماعية سوف تساعدني و لكنهم زادوا من حدة مشاكلي مع العائلة

تواصل “مريم” سرد تلك الحادثة لتخبرنا بما حدث في ذلك اليوم. عند وصولها إلى المنزل رفقة موظفة  الشؤون الاجتماعية كانت تتطلع إلى أن يكون هناك حل مناسب لها يساعدها على الخروج و إيجاد مكان ملائم لها يكفل لها حياة كريمة. ولكن النتيجة لم تكن حسب توقعاتها. حيث تمحور الحديث عن ما سوف يواجه مريم في حال عودتها إلى دار الأيتام وعن كل السلبيات و الممارسات التي يتعرضن لها الفتيات هناك.
و بمجرد مغادرة موظفة الشؤون الاجتماعية للمنزل تعرضت “مريم” للإعتداء الجسدي و اللفظي. فقد إعتبروا إحضارها لشخص غريب للمنزل تصرفاً غير مقبول و إن مثل هذه التصرفات إهانة لهم ولإسم عائلتهم. 

أنتِ بنت حرام, أنتِ لقيطة, أنتِ بنت شوارعإلخ

تقول “مريم” هذه هي الأوصاف التي كُنت أُنعت بها في ذلك اليوم من قبلهم إلى جانب الضرب الُمبرح الذي تعرضت له.

الهروب إلى تونس 

بعد إستمرار “مريم” لسنة أخرى على نفس المنوال الذي عاشته طيلة السنوات الثلاث الأخيرة و مع إقترابها من نهاية مشوار دراستها للمرحلة الثانوية, كان كل ما يشغل تفكيرها هو قاعات الدراسة الجامعية وكيف ستتمكن من مواصلة دراستها في ظل تلك الظروف.


الدراسة كانت المتنفس الوحيد لي وسط هذه العائلة

بالرغم من كل المعاناة التي كانت تتعرض لها من سوء في المعاملة أو الإعتداءات اللفظية و الجسدية. دائماً كانت “مريم” تلجأ إلى الدراسة و القراءة فهي تعتبر الكتب عالمها الخاص الذي ينسيها الحياة البائسة التي تعشها داخل ذلك المنزل.


الجامعة مكان مختلط وليس مكان مناسب للفتيات

بهذه العبارة وصفت لنا “مريم” رد العائلة عندما أخبرتهم أنها تريد التسجيل في الجامعة.
و بعد رفضهم أن تكمل دراستها الجامعية و تحديداً في سبتمبر 2016 قررت الهرب من تلك العائلة, لأنها كانت ترى في بقاءها معهم تدميراً للحياة التي تطمح لها مستقبلاً.

تمكنت بخلسة من توفير الأوراق المطلوبة لإستخراج جواز سفر وبمساعدة بعض أصدقاءها الذين لم تعرفهم إلا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. تمكنت في وقت قصير من استخراج جواز سفر وجمع بعض الأموال من أجل السفر.

غادرت ليبيا مُتجهة نحو تونس عبر معبر رأس إجدير الحدودي في منتصف أكتوبر 2016. فبعد هروبها من المنزل الذي تعيش به لم يكن لـها مكان أخر تلجأ إليه في ليبيا.

لم أضع مكان محدد لكي أذهب إليه, فقط أردت الخروج من الجحيم الذي عشته في ليبيا

بعد وصولها إلى تونس لم تكن تُدرك ما يجب عليها فعله فقد حاولت مراراً وتكراراً التواصل مع المنظمات الدولية التي تهتم بشؤون حقوق الإنسان في ليبيا و خاصة تلك المنظمات المهتمة بحقوق الأطفال بإعتبارها دون الثامنة عشر عاماً في ذلك الحين.

كانت تأمل أن تجد من يهتم بها ويوفر لها حياة تكفل حقها كـ إنسان ولد وحيداً بدون أبوين, و لكن كل المحاولات لم تكن مجدية فلم تُعر تلك المنظمات أي اهتمام لها ولم يقدموا لها أي مساعدة.

و بعد أشهر قليلة من ذهابها إلى تونس قررت “مريم” مواصلة حياتها و التوغل في المجتمع التونسي والبحث عن فرص عمل تناسبها. وبمساعدة بعض أصدقاءها تمكنت في وقت قصير من العمل في مركزِِ للإتصالات و الذي كان بالنسبة لها مجرد عمل بسيط من أجل توفير احتياجتها الأساسية في تونس كمصاريف السكن و الأكل.

 

 

في تونس أعمل من أجل العيش .. لم أتمكن من الحصول على فرصة لمواصلة دراستي و تحقيق حلمي ولكنني لازلت أحاول

و بعد مرور أكثر من عامين على مغادرتها لليبيا لا تزال “مريم” تعيش حياة غير مستقرة في تونس, ورغم كل التحديات المادية فهي تعتبر أن أكبر إنتصار لها هو نيلها لحريتها الشخصية والتي هي مكسب لن تستطيع تحقيقه مع تلك العائلة .

“هاني الكوت” رحلة نضال من أجل بقاء موسيقى الروك في ليبيا

الموسيقى بالنسبة لي ليست مجرد هواية للترفيه بل هي فكر خاص جداً 

 

كانت هذه كلمات عازف الغيثار “هاني الكوت” قبل أن يبدأ حديثه معنا واصفاً شغفه بالموسيقى, فكان وقع تلك الكلمات ممتزجاً بالإستياء و المرارة. حيث إستهل حديثه بالتعبير عن إنزعاجه قائلاً أن هذا النوع من الموسيقى لا يلقى جمهوراً مستمعاً أو مدققاً في كم المفاهيم والرسائل التي تحاول كل أغنية أن ترسلها.   

لم تكن موهبة وشغف هاني بهذه الموسيقى محضاً للصدفة فقد نشأ ”هاني الكوت” في عائلة داعمة للفن, هاوية للسفر ومتفردة بصداقة قوية مع كبار الموسيقيين والفنانين في ليبيا و خارج ليبيا, حيث تأثرت شخصيته بموسيقى الغرب كأمثال جون لينون وغيره والتي دفعته إلى تعلم العزف على الغيثار منذ فترة مبكرة من عمره فـشارك في العديد من الحفلات منها في إسبانيا واليونان وهو لازال في سن صغيرة, كما أن فترة شبابه تعد رقماً صعباً بين الجيلين القديم كـ ناصر المزداوي وأحمد فكرون والجيل الشاب الحديث, فقاوم و عزف في ظروف ركود فني وسياسة دولة كانت أشبه بالوحش الأسود الذي يلتهم أي آلة عزف موسيقية و يُطيح بأي فنان ناشئ رغب الإنخراط في عزف موسيقى الروك أو البلوز.

الشغف سر البداية

يقول هاني كانت بداية مسيرتي في منتصف التسعينيات عندما عُدت إلى ليبيا لم يكن حينها الفن الغربي واسع الإنتشار, حيث كان أغلب رواد الموسيقى الغربية يقتصر نشاطهم على بعض الحفلات و التجمعات الخاصة فقط. 

فكانت بدايتي عندما ألتقيت بمحض الصدفة مجموعة موسيقيين من الجيل القديم في حفلة خاصة, انطلقت من خلالها في مسيرتي الفنية مع تلك المجموعة والتي كانت تضم مجموعة من عاشقي الفن الغربي من الجيل القديم الذين حكمت عليهم الظروف أن يبتعدوا عن ممارسة هذا الفن بشكل علني للناس, وهذا ما أثر على فهمهم للموسيقى الغربية بشكل كبير.

” بدأت شخصيتي الفنية الحقيقية تتكون مع بداية الألفية الجديدة“

شاركت في العديد من الحفلات الخاصة داخل ليبيا مع بداية الألفية الجديدة لبعض الشركات الأجنبية في بعض الفنادق أو المقرات الخاصة للشركات, وفي عام 2008 كانت أول حفلة عامة أقدمها للجمهور في مسرح بن سليم في طرابلس, والتي كانت تُعد الأولى من نوعها منذ أن منع النظام الحاكم حينها ممارسة الفن الغربي بشكل علني.
و بعد عام 2011 إنخفض نشاطي الفني في ليبيا لعدة أسباب لعل أهمها الظروف الأمنية في ليبيا وسيطرة الجماعات المتطرفة التي لا يروق لها الفن بصفة عامة فما بالك بموسيقى الروك. لهذ إتجهت للعزف خارج ليبيا لوجود بيئة ملائمة هناك فأصبحت اليوم من العازفين المعروفين في جزيرة جربة التونسية وغيرها من المدن الأخرى التي قمت بالعزف فيها.

 

 

رحلة بين جيلين

يقول ”الكوت“: أن فترة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كانت من أصعب الفترات في تاريخ الموسيقى الغربية في ليبيا, فكان قبول الشارع لها صعباً جداً, فأستفردت موسيقى المرسكاوي و الريقي بإهتمام الناس والتي أصبحت الأيقونة الوحيدة للموسيقى الذي عُرف بها الشعب الليبي.

” أحترم كل الفنون ولكن يزعجني أن يسيس فن معين على حساب فن آخر ”

 فقد ساهمت سياسة الحكم الواحد أيضاً حتى في صناعة الفن في تلك الفترة. كما أن عامل الخوف بالنسبة للعازفين ساهم بشكل كبير في نهوض فئة فنية معينة على حساب فئة آخرى والتي سببت في هجرة الكثيرين كأمثال حميد الشاعري إلى مصر وفؤاد البشتي إلى لندن وجلال التركي وغيرهم من الفنانين.

أيضاً إلى جانب السبب الرئيسي لسياسة الدولة التعسفية تُجاه الفن هناك سبب آخر وهو ضعف التمويل من جهات عامة وخاصة والتي كانت وراء تحول العديد من فرق الروك والبلوز في فترة الثمانينات والتسعينات وإلى الآن إلى فرق طربية ( موسيقى الأفراح وصالات المناسبات ) فما كان من عازفي هذا النوع إلا توجيه أنفسهم نحو موسيقى آخرى مرغوبة من الجمهور و كثيرة الطلب عليها. 

كما أن الشارع الليبي لم يكن مهيأًً بشكل كبير في تلك الفترة لتقبل هذا النوع من الموسيقى لأنه سرعان ما طغت عليه موسيقى (النجع) والتي كونت الصورة الدائمة في ليبيا وخارجها أن هذا النوع الوحيد الموجود في ليبيا ولا يمكننا تصدير نوع أخر من الموسيقى. 

تجمعات موسيقية سرية 

يقول هاني: واجه الموسيقيون الليبيون العديد من الصعوبات والتي قللت من ديناميكيات التدريب والممارسة الموسيقية لديهم سواء في الأكاديميات الموسيقية أو في إقامة حفلات عامة, والتي جعلت من تجمعاتهم أمر محظوراً و نشاطاً غير قانوني, وفي ظل كل هذا أصبح عازفي الروك والمهتمين بالموسيقى الغربية في ليبيا يتجمعون داخل بيوتهم فقط  لتبادل الأغاني وإعادة حفظها وتلحينها آنذاك. 

نحن كجيل السبعينات ومن قبلنا أيضاً تعرضنا لظلم كبير من كافة النواحي سواء من الناحية السياسية والأعراف الإجتماعية وكذلك الشح المعرفي بالموسيقى الغربية الذي كان سببه إنغلاق الدولة عن ثقافات موسيقية مختلفة. 

إستقلالية و إعتماد على الذات

المعرفة هي السبيل الأول والأمثل للوصول, هكذا يصف ”هاني“ تجربته في الإعتماد على ذاته في كل شيء تقريبا, فقد أصبح في السنوات الأخيرة يميل إلى الإنتاج الشخصي عوضاً عن العمل ضمن مجموعات أو فرق قد لا تهيئ له بيئة عمل جيدة, فحاول مرات عديدة لتحضيرات Covers و أغاني بنفسه داخل منزله في طرابلس و العمل على تجهيز استديو مصغر خاص به يمارس فيه موسيقاه. كما عمل جاهداً على تعلم العديد من التقنيات الصوتية المعقدة على إنترفيس  ( Audio interface ) قام بشراءه فقط ليخرج لنا بعمل ذاتي وكامل.

” كنت أقضي ساعات على اليوتيوب حتى تمكنت من تعلم كيف أستطيع تسجيل أعمالي بمفردي“

قام ”الكوت“ بإنتاج أول أغنية ( نتمنى ) I wish بنفسه والتي لاقت صدى ممتاز في ليبيا وحصلت على الترتيب الأول في Radio chart في برمنغهام – إنجلترا والتي أعجب بها العديد من النقاد والمهتمين بموسيقى الروك.

” في فترةٍ ما وصلت لمرحلة أنني عزفت بدون فرقة ثابتة معي لإنني لم أجد فرقة تتناسب مع نوع الموسيقى التي أقدمها ” 

عدم وجود فرق موسيقية تتقن الموسيقى الغربية واللون الذي يتماشى مع شخصيتي الموسيقية, جعل مني أفضّل العمل ضمن مجموعات مؤقتة بدلاً من العمل مع فرقة دائمة, حتى يتسنى لي تقديم موسيقى مقبولة أكثر للجمهور سواء من خلال إختيار الأغاني أو الكلمات.

الموسيقى صفقة غير رابحة 

” لا أحاول الكسب من وراء الموسيقى , فالموسيقى بالنسبة لي هي المكسب ”

     

بجملة سريعة قالها هاني أن الموسيقى ليست تجارة فأنا لا يمكنني أن أمتهن الموسيقى كمهنة وصفقة أبيع بها لتكون مصدر دخل لي أو لعائلتي, فأنا مهندس كمبيوتر ويمكنني العمل في مجالي بشكل طبيعي جداً دون الترويج المبتذل لنفسي ولنوع الموسيقى التي أعزفها فبالنسبة لي أُفضّل ترك الموسيقى على أن أتاجر بها. 

هنا إستوقفنا عند جملته والتي أصر على أن الموسيقى فكر وليست مجرد منتج تجاري أو سلعة معينة فيقول أنا هنا لأحمل غيثارتي بغية وصول الكلمة الصحيحة والمرجوة بل لإيصال فلسفة معينة تساهم برقي ذوق الشباب وأي مستمع ليبي. فأنا ضد إحتكار الفن بصورة محدودة لإغراض سياسية أو إجتماعية معينة والتي تقلل من مساحة اللعب والإبداع في صناعة الموسيقى, وللإسف هذا ما حدث ولازال يحدث في ليبيا فالكثيرين يحاولون التجارة بفن معين لإغراض توجيهية وسياسية لأن الفن هو الوسيلة الأولى الرادعة والمقاومة بسلمية في ظل تدهور الدول. 

خطاب عنيف 

غالباً ما يتعرض الكثيرين من عازفي موسيقى الروك والميتال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى إنتقادات لاذعة بسبب نوع الموسيقى الصاخب وغير المفهوم بالنسبة لهم وأيضاً لقوة التقديم الموسيقي والأداء الجماعي, كما أن الوضع في ليبيا لا يختلف كثيراً فالعديد من الموسيقيين الليبيين الشباب يتم مخاطبتهم بشكل مشكك في عقائدهم الدينية والفكرية. يعقب الكوت بأن هذا النوع من الخطاب دائماً ما نتعرض له خاصةً على السوشيال ميديا فالغالبية ما تحقر من قيمة فنان الروك بشكل ما أو بآخر إما حجة دينية أو بحجة العُرف الإجتماعي الذي لا يقبل هذا النوع من الموسيقى.

” الفنان بدون جواز سفر لا يمكن تصنيفه وفقاً لجنسيته أو دينه أو لونه, الفنان إنسان فقط ”  

يقول هاني أن الكثيرين ومن ضمنهم أنا يتم توجيه لنا عبارات وجمل مسيئة كـ أنتم عازفي الروك, أنتم عبدة شياطين!. وغيرها من العبارات المسيئة , وهذا للأسف يسبب لنا عزوف تدريجي عن تقديم موسيقانا بشكل كبير .

 

 

فوبيا الصحافة في ليبيا

طفرة إعلامية غير مسبوقة، هكذا يُوصف المشهد الإعلامي في ليبيا بعد التغيير الذي شهدته البلاد عام 2011, حين ظهرت الصحف المطبوعة في كل نقطة من ليبيا، و ولدت المحطات الإذاعية والتلفزيونية على اختلاف توجهاتها و اهتماماتها.
فقد نتج عن إسقاط نظام القذافي فضاء استطاع فيه الصحفيون الشباب و المؤسسات الإعلامية أن يعملوا في جوِِ من الحرية النسبية و البدء بتعلم مهنة التغطية الصحفية، غير أنه نتج عن هذا التغيير أيضاً فضاء استطاعت فيه الجماعات المسلحة من العمل بحرية و تعزيز نفوذها عبر العنف. وبهذا، أصبح الخطر الأكبر الذي يهدد الصحفيين يأتي اليوم من مجموعات مختلفة من الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق السيطرة المركزية و التي تعاقب الصحفيين الذين ترى أنهم يعملون ضد مصالحها.

و بعد مرور سبع سنوات, إنتقل الوضع الإعلامي و الصحفي في ليبيا من طفرة غير مسبوقة إلى أزمة غير مسبوقة في هذا المجال, فأصبحت ممارسة الصحافة مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل الصراع المحتدم على السلطة, مما أدى إلى تزايد حالات الانتهاكات ضد الصحفيين, حيث ينعم مرتكبي هذه الإنتهاكات من إفلات تام من العقاب وسط مناخ يدفع نحو إخلاء البلاد من صحفييها. و هذا ما تؤكده مؤشرات التقارير الدولية حول حرية الصحافة في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

تراجع مخيف ومصير مجهول

بالرغم من النقلة النوعية التي شهدتها الصحف في ليبيا, و الكم الهائل الذي بدأ بالصدور عن مؤسسات مستقلة عقب التغيير الحاصل في عام 2011. سرعان ماشهد قطاع الصحافة المكتوبة تراجعاََ, ليصل إلى أسوء أحواله خلال السنوات الأخيرة. إذ تؤكد لنا هيئة دعم و تشجيع الصحافة, وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تسجيل و دعم الصحف و المجلات المطبوعة.
بحسب سجلات هذه الهيئة حتى بداية عام 2014, يوجد عدد 387 صحيفة و مجلة تم توثيق بيناتها في كشف المنظومة الصحفية لدى الهيئة. بينما تراجع العدد إلى 4 فقط مع بداية عام 2018, 3 صحف و مجلة واحدة.
 و يُرجع المسؤولين في الهيئة هذا التراجع إلى قلة الإمكانيات لديهم, مما يحول دون متابعتهم ودعمهم للصحف و المجلات المسجلة لديهم, كما أن الإنتهاكات التي تعرضت لها بعض تلك الصحف أو الصحفيين العاملين بها أدى إلى إغلاق العديد منها.

 


نزوح الصحافة

أصبح وجود صحافة حرة في البلاد مهدداً بالخطر, خاصة مع تزايد حالة نزوح الصحفيين من البلاد، الذين يفضلون الذهاب إلى المنفى لمواصلة عملهم الإعلامي, أو يختارون التوقف عن ممارسة هذه المهنة, التي أصبحت محفوفة بالمخاطر إلى حد مفرط. أما أولئك الذين يختارون البقاء، فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على التخندق في صف أحد الأطراف المتنازعة عسكرياً أو سياسياً.
ويبقى المنفى في الغالب هو السبيل الوحيد للصحفيين الليبيين, من أجل مواصل النشاط الإعلامي في ظل الإنتهاكات التي تُمارس ضد الصحفيين في ليبيا. 

فبحسب الأرقام و الإحصائيات التي تحصلنا عليها من قبل منظمة مراسلون بلا حدود. منذ عام 2014 اضطر 83 صحفي و صحفية إلى الفرار من ليبيا و ممارسة نشاطهم الصحفي من المنفى بسبب إنتهاكات تعرضوا لها في ليبيا. لا يزال 67 منهم في المنفى حتى اليوم. بينما 16 منهم عادو إلى ليبيا.

أما على صعيد المؤسسات الاعلامية, يُفضل القائمون على القنوات التلفزيونية أن تكون مقراتهم خارج ليبيا, لما يُمثله وجودها في الداخل من خطر حقيقي على إستمراريتهم في العمل. فبعد عدة حوادث إعتداء تعرضت لها مقرات أو مكاتب القنوات داخل ليبيا, اضطرت بعض القنوات للإغلاق نهائيا بعد تكرار الإعتداءات عليها, مثل قناة العاصمة و قناة الدولية, إذ تسببت الإعتداءات على هاتين القناتين لإغلاقهم بشكل نهائي. قناة النبأ أيضاً بعد أن كانت تبث من داخل العاصمة طرابلس, تم نقل استديوهات القناة إلى تركيا في العام 2017. وذلك بعد تكرار الإعتداءات على مقر القناة, والاستهداف المسلح ضدها في أكثر من مناسبة.
و تشهد ليبيا اليوم نزوحاً للمؤسسات الصحفية بشكل غير اعتيادي, إذ يصل عدد القنوات التلفزيونية التي تبث من خارج ليبيا مع بداية العام 2018, إلى 7 قوات تلفزيونية تبث من دول مختلفة, نتيجة لعدم وجود ضمانات أمنية أو بيئة عمل مناسبة لتلك القنوات.

صحفيون في المنفى

ثلاثُ تُهمِِ مثيرةُُ للضحك, هكذا يصف الصحفي عبد الوهاب العالم التُهم التي نُسبت إليه, عندما أقدمت مجموعة مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني حسب وصفه في مدينة طرابلس بإعتقاله في أواخر عام 2016. أثناء قيامه بإعداد تقرير صحفي عن نادي ”الغزالة“ للكتاب, داخل أروقة جامعة طرابلس ”ب“ (ناصر).
يقول عبد الوهاب أن مجموعة مسلحة قامت بإعتقاله من داخل الجامعة, في ذلك اليوم حيث قاموا بأخذه إلى أحد مراكزهم بالقرب من الجامعة, بدون وجود سبب واضح و منطقي يدفعهم لإعتقاله. 

 قاموا بالتحقيق معي لعدة ساعات قبل البدء في ضربي وتعذيبي

هكذا بدأت حكاية عبد الوهاب مع الإعتقال والذي استمر لمدة ثمانية أيام, يقول ”العالم“ لقد قاموا بأخذي من الجامعة و التحقيق معي لعدة ساعات, تم إستجوابي خلال تلك الساعات عن الجهات الإعلامية التي أعمل لها. كما قاموا بسؤالي عن أسماء بعض الصحفيين والنشطاء, و إستعراض بعض الأعمال السابقة لي, و توجيه التُهم عن كل حرف وكلمة قمت بكتابتها.
خاصة تلك المقالات و التقارير ذات الطابع الحقوقي والتي أحاول أن أبرز من خلالها الحقوق الثقافية التي تُسلط الضوء على منظمات المجتمع المدني في ليبيا.

يواصل عبد الوهاب حديثه عن هذه الحادثة ويقول, بعد كم هائل من الأسئلة الغريبة تم نقلي إلى مكان إحتجاز أخر, حيث تعرضت هناك لأبشع أنواع التعذيب. كانوا يضربونني بكل ماهو متاح لديهم, و يقومون بصعقي بالكهرباء. حيث تواصل تعذيبهم و ضربهم لي طيلة ثمانية أيام قضيتها هناك.

” الإلحاد , العمالة لجهات ماسونية , تخريب عقول الشباب“

هذه هي التُهم التي نُسبت لي أثناء فترة إحتجازي, لم أفهم كيف قاموا بإستنتاج كل هذا الهراء, ولكن ما أفهمه جيداً أن التطرق للقضايا الحقوقية و الحديث عن الأنشطة الثقافية في المجتمع, أمر يزعجهم جداً.

بعد ثمانية أيام قاموا بإطلاق سراحي, و لكنهم لم يتوقفوا في متابعتي و الاتصال بي بشكل متكرر لمدة 6 أشهر, و هي المدة التي قضيتها في ليبيا قبل مغادرتي. خلال هذه المدة تركت العمل الصحفي خوفا على سلامتي, كما أن المؤسسة الاعلامية التي كنت أعمل لها, طلبت مني التوقف خوفاً من أن تتم ملاحقة زملائي الأخرين. 

بعد 6 أشهر قضيتها بعيدا عن أي نشاط صحفي, غادرت ليبيا متجهاً إلى تونس, و التي كانت الخيار الوحيد المتوفر أمامي من أجل الاستمرار في العمل الصحفي. كانت لي رغبة كبيرة في العودة للعمل في مجال الصحافة, خاصة بعد كل تلك المدة التي قضيتها بعد اعتقالي دون ممارسة أي نشاط صحفي.
واجهت بعض الصعوبات في البداية غالبا كانت صعوبات مادية, ولكن تمكنت من العودة للعمل مجدداً, إذ تمكنت من الحصول على عمل هنا في تونس لدى مؤسسة إعلامية ليبية, كما عاودت الكتابة ونشر المقالات الصحفية كما في السابق.

كان هذا السبيل الوحيد من أجل العودة لممارسة العمل الصحفي

الخروج من ليبيا كان الخيار الوحيد أمامي من أجل العودة لحياتي في المجال الصحفي, بالرغم من أنني تلقيت عدة اتصالات من نفس الجهة التي قامت بإعتقالي في ليبيا, فقد كانوا يسألونني عن ماذا أعمل الأن ولماذا خرجت من لبييا وغيرها من الأسئلة. كانت محاولة منهم لممارسة الرقابة والضغط النفسي, وإيصال بعض الرسائل التي مفادها أنهم يستطيعون الوصول لي حتى وإن كنت في تونس.في البداية كنت حذراً قليلاً, ولكن مع مرور الوقت أيقنت أنني يجب أن لا أكترث لهم, و أن أواصل عملي بكل حرية و هذا بالفعل ماقمت به وهذا ما أنا عليه الأن.
أرى أن قراري بمواصلة العمل في هذا المجال, لا يجب أن يكون محدوداً أو مقيداً بخطوطِِ حمراء, فالصحفي مسؤول عن ما يقوم بنشره للناس. لذا أتخذت قرار مواصلة العمل من خارج ليبيا, فلا يمكن مواصلة العمل من الداخل في ظل وجود خطوط حمراء تقيد العمل الصحفي. 

صحفي مع وقف التنفيذ !

لقد دفعت عمليات الإختطاف والقتل والإعتقال القسري بالصحفيين إلى توخي الحذر أثناء التغطيات الصحفية. فالعديد من الصحفيين في ليبيا, يواصلون عملهم من داخل ليبيا ولكن بحذر شديد, إذ غالباً ما يتم فرض قيود تقوض عملهم على الأرض.

الصحفي ”محمد النائلي“ الذي يعمل كمراسل لوكالة شينخوا الصينية, في حديثه لنا عن حادثة الإختطاف التي تعرض لها في أواخر أكتوبر 2015, من قبل مجموعة مسلحة مجهولة الهوية لمدة 30 يوماً.

يقول ”النائلي” : كُنت بالقرب من مكان إقامتي بمنطقة “طريق المطار” عندما قاموا بأخذي تحت تهديد السلاح, لم أتمكن من التعرف عليهم, ولا السبب من وراء استهدافهم لي بشكل واضح. كل ما أعرفه أنهم كانوا يمقتون عملي و يعتبرونني جاسوساً لدولِِ أجنبية, وذلك بسبب عملي لوكالات أنباء غير محلية. فقد قاموا بتوجيه تُهم غريبة و مضحكة, على سبيل المثال: كانوا يقولون أنني قمت بإعطاء معلومات للعدوّ, من أجل إسقاط طائرة عمودية كانت تحمل على متنها قيادات عسكرية من المنطقة الغربية. (هنا يقصدون الطائرة العمودية التي سقطت في منطقة “الماية” بتارخ 2015_10_27) .

تعرضت خلال فترة احتجازي لأسوء أنواع الاعتداءات الجسدية واللفظية

يواصل ”النائلي“ : بعد إطلاق سراحي مررت بفترات عصيبة من أجل تخطي هذه المحنة, ومع مرور الوقت عاودت العمل الصحفي, ولكن هذه المرة بحذر شديد. فالبيئة التي نعمل بها هنا في ليبيا تُحتم علينا الحذر أثناء العمل وعدم التطرق لكل المواضيع, من الطبيعي جداً أن لا يقوم الصحفيون هنا, بإنتاج أي عمل صحفي يُنافي مصالح الجماعات التي تٌسيطر على الرقعة الجغرافية التي يعمل بها الصحفي.

لم تكن حادثة الإختطاف هو الإعتداء الوحيد من الجماعات المسلحة

لقد تعرضت أثناء عملي في السابق إلى العديد من الاعتداءات من قبل الجماعات المسلحة, خاصة عندما يتعلق الأمر بتغطية مناطق النزاع, أو الأحداث ذات الطابع الجدلي الذي لا يروق لأصحاب السلطة هنا. هذا ما جعلني أعمل بشكل حذر و تحت ضغط شديد. أصبحت أبتعد عن التغطيات في أماكن النزاعات أو تغطية المواضيع السياسية الشائكة.
لا أحبذ العمل تحت كل هذه القيود التي فٌرضت علينا, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, ولكن هذا هو الخيار الوحيد أمامي من أجل مواصلة العمل في هذا المجال.

مؤشرات دولية 

ممارسة العمل الصحفي في ليبيا ممارسة محفوفة بالمخاطر, حيث تُصنف المنظمات الدولية ليبيا, كأحد أكثر الدول خطورة لمهنة الصحافة, إذ يضع النزاع المسلح و الإنقسام السياسي القائم منذ عام 2011 الصحفيون و الوسائل الإعلامية كأول ضحايا هذا النزاع بين الأطراف المتناحرة في مختلف المدن الليبية.

مراسلون بلا حدود وهي منظمة دولية معنية بالدفاع عن حرية الصحافة و الصحفيين حول العالم, تؤكد هذه المنظمة حسب تقاريرها السنوية حول ليبيا منذ عام 2011,  أنه تم تسجيل ما يزيد عن 331 حالة إنتهاك في حق الصحفيين في ليبيا حتى نهاية عام 2016, وهي جرائم حظيت في الغالب بالإفلات من العقاب.

وبحسب إحصائيات تحصلنا عليها من منظمة مراسلون بلا حدود, سُجلت في الفترة مابين 2011_2014
(168) حالة إنتهاك ضد الصحفيين في ليبيا. وفي الفترة مابين عامي 2014_2016 حوالي (163) حالة إنتهاك, لتكون الحصيلة في الفترة الممتدة بين عام 2011 حتى عام 2016. حوالي 331 حالة إنتهاك ضد الصحفيين و كانت هذه الإنتهاكات على النحو التالي :

و ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تشرف عليه منظمة مراسلون بلا حدود و الذي يصدر عنها سنوياً. حلت ليبيا في عام 2018 في المرتبة 162 من أصل 180 دولة يشملها هذا التصنيف. إذ صُنفت ليبيا ضمن الدول التي يُعد وضع حرية الصحافة فيها بالوضع الخطير جداً, حيث جاءت ليبيا ضمن الدول باللون الأسود, الذي يرمز إلى تدني مستوى الحرية الذي يتمتع بها الصحفيون في ليبيا, وهذا يؤكد المؤشر الخطير الذي تعاني منه ليبيا في السنوات الأخيرة على صعيد حرية الإعلام و الصحافة.

و وصفت المنظمة في تقريرها الأخير, أن ليبيا تعاني من حالة تفريغ من صحفييها الذين يعانون من كثرة الإنتهاكات المتكررة, مما جعلهم يختارون المنفى في غالب الاحيان من أجل الحفاظ على سلامتهم, و ممارسة عملهم الصحفي بقدر أكبر من الحرية.

 

ليبيات في المهجر

اللاحرية والتقييد والمجتمع الأحادي, غالباً ما تكون هذه العوامل الرئيسية التي دفعت عدة نساء ليبيات إلى الهجرة بعيداً عن ليبيا , فطبيعة المجتمع الليبي الذي لا يسهل لهن الإستقلالية الفكرية أو الفنية تقف عائقاً يحول دون إستقراراهن في بلادهن .

ميثودولوجيا الهجرة

تقطن هناء أبوزيد, 35 عاماً وسط العاصمة الإكوداورية كيتو كإمرأة ليبية مستقلة بوظيفتها وفكرها وخياراتها المعيشية والشخصية, حيث بدأت هناء حديثاً حياتها كمهاجرة منذ مارس 2015 حينما قررت الهجرة من ليبيا والتوجه إلى ذاك البلد اللاتيني المُطل على المحيط الهادئ وكل هذا وسط مجموعة من التحديات والتجارب الشخصية نبدأ في سردها تباعاً .

هنا وسط عائلة إكوادورية يملئها الدفء والود وضمن ذلك المنزل الإكوادوري البسيط, تستأجر هناء مع هذه العائلة الفضاء الخاص بها والذي يعج بالكثير من مقتنياتها الشخصية وكتب تعليم اللغة الإنجليزية والإسبانية كلغات إضافية للغتها العربية الأم, فبعد العديد من التجارب والتي تشاركها هناء معي وبصوت جهور غاية في الثقة والفخر, تروي أنها بدأت مبكراً في السعي وراء أحلامها فكانت لا تخشى التجربة أو المعرفة أو فضول ما قبل المعرفة .

“ أنا أعتبر نفسي ذو خلفية عالمية “

هكذا بدأت هناء بتقديم نفسها لي, كليبية ولدت في دولة بنين غرب أفريقيا وعاشت في دول متعددة منها تركيا وإنجلترا والإكوادور وشاركت في العديد من الكارنفالات الثقافية والتي كانت لها دور في صُنع شخصيتها المتعددة فكرياً ومعرفياً, فبمجرد بزوغ حلم الهجرة بعيداً بدأت في التواصل مع العديد من الناس الذين لهم تجارب سفر للإكوادور , فعملوا على تشجيعها لخوض التجربة بكل ما فيها من إختلاف وصعوبات, وبعد مُضي أكثر من 15عاماً بين تجارب مهنية ودراسية في مجال تعلم وتعليم اللغة الإنجليزية في ليبيا, والعمل بالقسم الثقافي للسفارة الإميركية عام 2009, إضافة إلى تولي إدارة مكتب شركة Microsoft في ليبيا, و العمل ضمن شركة كامكو البترولية حاولت هناء البدء من نقطة الصفر والبحث عن عمل يضمن لها مصاريفها المعيشية في الأكوداور, فكان العائق الأول والأخير هو اللغة, حيث أن الإكوادور كدولة تعتمد على اللغة الإسبانية في كل معاملاتها الإدراية وإن كان في متجر صغير في الضاحية أو في مطعم بسيط هذا يفسر مدى صعوبة التعامل مع العملاء أو الباعة في أي مكان دون تعلمك للغة الإسبانية.

 

 

لما الإكوادور ؟ 

هناء : أنا أحب تعلم اللغات, وغالباً ما تجذبني اللغة الأسبانية بشكل كبير, و بمجرد ظهور تلك الرغبة في داخلي لتعلم هذه اللغة قررت تعلمها في بلد ناطق بها ومن هنا قررت إختيار الإكوادور لسهولة إجراءات سفرها للمواطنين الليبيين .

ورغم أن ليبيا والإكوداور بعيدان جغرافياً ودينياً وعرقياً كل البعد عن بعضهما البعض الإ أنهما يشتركان في خاصية الشعب المتماسك إجتماعياً والذي يعيش بموروثات وضوابط مجتمعية معينة . تقول هناء : الإكوادوريون لا يعيشون بطريقة منفتحة بشكل كبير مع الغرباء, فهم غالباً يفضلون التعامل أكثر مع من هم شبيهون بطباعهم وملامحهم المحلية, ولكن في المقابل لا أجدهم غير لطفاء أو غير ودودين .

حيث تحرص هناء على إبداء الإحترام والود للإكوادوريين وتحاول بأن تكون مواطناً أكوادورياً لا ضيفاً غريباً عنهم, فتشاركهم جلساتهم نهاية كل أسبوع وفي كل مناسبة إجتماعية أو وطنية, كما تضيف أيضاً بأن المشاركة الإجتماعية مع أناس مختلفين عنك هو إضافة عظيمة لحياتك و لخلفيتك الذهنية والثقافية  .

 

وبعد كل هذه التحديات الكبرى في الإندماج الوظيفي لدى هناء كونها إمرأة مستقلة عن عائلتها مادياً, فهي تنفق بمعزل عن العائلة وعن أي مصادر تمويل آخرى وهذا ما يجعل مسؤوليتها مُضاعفة إتجاه نفسها .  شاركت مؤخراً هناء في عمل فيلم قصير صامت  بإسم BAN BAN والذي يجسد طموح فتاة من الشرق الأوسط للهجرة إلى أمريكا بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحظر بعض الجنسيات ومنها الجنسية الليبية من الدخول إلى أمريكا, كما تم تصوير الفيلم في الإكوادور والذي حاز على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان ميلانو 2018 للإفلام القصيرة .

اليوم وبعد إجتياز هناء لإمتحان CELTA والذي يمنح ترخيص مزاولة مهنة تعليم اللغة الإنجليزية في العالم بدأت في شغل وظيفة المدرس لدى معهد كامبريدج -كيتو والذي يعتبر ذو مكانة مهنية وعالمية عالية ومعروفة .

أخيراً تقول هناء أنا جداً راضية عن حياتي وكل مررت به هو مجرد مطبات بسيطة تمكنت ولازلت قادرة على إجتيازها.

هنا مطار أتاتورك

ضمن قاعات وصول الركاب من مطار أتاتورك في أسطنبول وصلت أروى فرعون, 21 سنة على متن خطوط الأجنحة الليبية في الثامن من سبتمبر 2016 لتبدأ أولى ساعاتها في تركيا وحيدةً مع قرار الهجرة حاملة معها جواز سفرها الليبي وبضع من الدولارات التي قد تؤمن لها حياتها للفترة الوجيزة الأولى, ففي ظل الأوضاع المعيشية الهشة في ليبيا والتي حالت بينها وبين تحقيق طموحاتها الديناميكية على الأقل حسب قولها كـحرية ممارسة العمل المدني والتطوعي, حرية ممارسة العزف الموسيقي وكذلك الحرية الفردية في ممارسة الحياة الشخصية.

هنا في منطقة بشكتاش في الجزء الأوروبي من تركيا تعيش أروى حياتها بين تحديات كبرى واصفةً إياها بالفوضوية, فبين تحديات المواصلات للوصول يومياً إلى الجامعة ومقر العمل, تقضي أروى ساعات للذهاب والإياب من وإلى المنزل, كما أن تحدي اللغة التركية يعتبر بالنسبة لها من أعقد التحديات في بادئ مجيئها إلى تركيا, فلمسامع المغترب حساسية للغة الجديدة قد تكون إيجابية أحياناً وقد تكون سلبية أحياناً آخرى.

تقول أروى أن للغة التركية وقع هجين ومختلط في كثير من الأحيان فهي تمثل الكثير بالنسبة للشعب التركي وأنا بالمقابل أحترم هذه اللغة كعنصر فعّال في المجتمع الذي أنا فيه. اليوم أنا وصلت إلى مستوى جيد في تعلم اللغة وبدأ يسهل علىّ فهم أقراني والأشخاص من هم حولي الآن فهذا يمكنني من التواصل وفهم التراكيب المجتمعية التركية أكثر, أنا الآن طالبة إعلام مستجدة  إخترت الإعلام كمجال لطالما وددت دراسته أكاديمياً والعمل فيه بعد معاناتي المطولة مع هندسة العمارة في تركيا هنا – كون أن تخصص العمارة كان ليس برغبة شخصية مني فأنا كنت شبه مجبرة على دراسته – لأنه كان برغبة من والدي الذي حُلم بأن أكون معمارية.

ولكن الآن دراستي في الإعلام ساهمت بشكل كبير في حصولي على عمل ضمن مؤسسة MOP Media والتي هي تجربة ستكون إضافة جيدة لي .

“ تحدي الحصول على المال في أسطنبول تحدٍ كبير “

تواصل أروى ببحة صوت خافتة بأن المال هو من أعقد الأمور على أي مغترب, فطرق التحصل على وظيفة في ليبيا قد يكون سهلاً بسبب الواسطة وأحياناً العلاقات الإجتماعية المترابطة ولكن في تركيا الأمر يختلف كثيراً لأسباب مختلفة منها الإختلاف الثقافي والمنافسة الكبيرة في سوق العمل, أما الآن فأنا سعيدة بعملي وبكل ما أقوم به في حياتي فأنا أتممت حوالي سنة أتعلم العود في المعهد العربي للموسيقى في أسطنبول وهذا الأمر زاد من ثقتي بنفسي أكثر وعزز من قدراتي الفنية والعملية هنا.

اليوم تقول أروى وبأسف أنها لا تشتاق إلى الأقارب وكل الدوائر الإجتماعية التي كانت محيطة بها في ليبيا, هي فقط تشتاق إلى نشاطاتها والأماكن التي كانت في وقت ما تقضي فيها وقتاً مُريحا ومتجرداً من كل شيء في طرابلس.

 

 

رحلة التأشيرات المرفوضة

مابين القارتين يفصل محيط أطلنطي كبير, وما بين أفريقيا وأمريكا شغف بالهجرة عظيم ! هنا في لوس أنجلوس- أمريكا تعيش الفنانة التشكيلية ندى قليوان حياة الفن والإستقلالية والرؤى التعددية منذ ربيع 2010, وبعد رحلة مطولــة إجتازت فيها عدداً كبيراً لأبوابٍ مسدودة من سفارات العالم لغرض العبور بعيداً , فبعد طرق أبواب السفارة التركية والبريطانية وعدم تمكنها من الحصول على أي من تأشيراتيهما , بدأت ندى في رحلة البحث عن التأشيرات الآخرى, فتلتها بالسويدية والتي لم تتحصل على المال الكافي لإتمام إجراءاتها, كما هو الحال أيضاً بالنسبة للكندية والتي في المقابل ُطلب منها إجراء المقابلة في فرنسا للتأكد من أهليتها للموافقة على طلب الهجرة فحال ذلك دون الوصول إلى مُبتغاها.

 

 

فبعد كل هذه المحاولات إستطاعت ندى من التقديم على التاشيرة الأميركية كطالبة والحصول عليها, حيث تقول بـأن

“ الهجرة كانت حلم بالنسبة لي لأني دائماً ما أشعر بأني غريبة داخل وطني “

وبعد جُملة من التضحيات والعمل على بيع العديد من أشياءها الخاصة و الثمينة تمكنت أخيراً ندى من الحصول على التأشيرة حيث وصفت حياتها السابقة في ليبيا بالرتيبة والمقيدة في كل شئ فالسفر بالنسبة لها كان شغفها الوحيد والعيش دون قيود فكرية أو فنية هو السبيل الأمثل للحياة المنشودة.

تحملت ندى مسير السفر نحو المجهول, فهي بين مطرقة تحقيق الذات وسندان مشاق الهجرة وبين هذا وذاك عملت ندى في العديد من المهن واصفةً بأن ( الغربة صعبة ) و هي تردد بأنها لا تخجل من قول أنها عملت كطباخة و نادلة أيضاً في مطعم مكسيكي كفترة لتضمن بها حياتها ومصروف يومها وأن تجارب معاناتها في العمل في الآونة الأولى هي تجارب تشاركها مع الجميع وهي غاية في الأهمية بالنسبة  لها لتدرك كم المسؤولية المرمي على عاتقها , إضافةً إلى ذلك عملت كجليسة أطفال Baby Sitter وموظفة حسابات و أيضاً في تدريس اللغة العربية في إحدى المدارس .

وبين كل هذه التجارب المؤقتة تقول ندى أن الحياة هنا في أمريكا رغم صعوبتها فهي على الأقل بيئة حاضنة وغير مقيدة, فأنا هنا أعيش كإنسان فقط دون الولوج إلى معرفة ديانتي أو بلدي أو أي معلومة خاصة بي, بالإضافة إلى أنني لم أواجه يوماً أي شكلٍ من أشكال العنصرية أو التمييز بل هناك العديد من أصدقائي إلى اليوم لا يعرفون من أين أتيت حتى !

تُضيف ندى بأنها تصبو إلى تمكين نفسها اليوم  ووضع بصمة حقيقية في تاريخ الفن داخل أمريكا وخارجها . فهي تنظم من فترة إلى آخرى  معارض فردية وجماعية , وآخرها كان في شهر مايو 2017 والذي كُرمت على خلفيته من مدينة لوس أنجلوس بشهادتين .  أيضاً تتطوع ندى في العديد من المتاحف الفنية والذي يكسبها خبرةً واسعةً في هذا المجال تساهم في إستقلالية إنتاجها الفني .

 

“دائماً ما يعتقد المجتمع أن المبادرة لابد أن تكون من رجل لا من إمرأة “

وها أنا اليوم أُبادر وأعمل وأتطوع وأسافر وأخوض التجارب بكافة مستوياتها, فالجميع له الحق في خوض التجربة بغض النظر عن جنسه.

 

 

الزواج العُرفي في سبها

 

لا أحد يعلم التركيبة الديموغرافية المعقدة للجنوب الليبي حتى الأن, فما بالك بالسكان المحليين والبسطاء منهم الذين كان ذنبهم الوحيد هو البحث عن الشريك الحاضن والمُحب.
أ.عائشة ميلاد باحثة إجتماعية وموظفة في مكتب الشؤون الإجتماعية – سبها. تقول بإن محدودية الحركة لدى المرأة في سبها وعدم معرفة أغلب السيدات اللاتي يتزوجن زواجاً عُرفياً بوجود مكتب للشؤون الإجتماعية في سبها ساهم في رواج هذا النوع من الزواج. رغم أن المكتب موجود منذ سنة 1968 ولكن أغلبهن لا يعلمن بضرورة أخد الموافقة من المكتب ليتم توثيق زواجهن. وأن بعض الحالات للزواج العُرفي في سبها تكون بسبب الإرتباط بشريك ماوراء الحدود الجغرافية فيكون الزوج ذو جنسية سودانية أو تشادية أو نيجرية … إلخ. وأحياناً يصعب على البعض منهم توفير الأوراق المطلوبة لزواج موثق و رسمي بسبب عدم وجود سفارة لبلده في ليبيا.


ماهية الزواج العُرفي

في مقابلة مع كبير ُكتاب المحكمة الإبتدائية في سبها السيد عبدالناصر عدنان يقول أن الزواج العرفي هو أي عقد للزواج تم إبرامه دون توثيق رسمي حتى وإن كان بعلم الأهل و الأقارب, حيث يعتبر الزواج العرفي شرعياً طالما توفر فيه شهود وولي أمر للمرأة في حالة كانت بكراً أو بدون ولي أمر في حالة كانت أرملة أو ُمطلقة.

يواصل السيد عبدالناصر بأن الزواج يعتبر شرعياً غير أنه غير موثق رسمياً لدينا حيث يترتب على هذا النوع من الزواج العديد من المشاكل القانونية الشائكة كعدم وجود اوراق رسمية لتسجيل الأبناء وعدم وجود ضمانات لحقوق الزوجة في الميراث والنفقة وغيرها في حال إستمرار الزواج ُعرفياً ودون توثيق.

هذا الزواج ليس جديد على ليبيا وموجود في العديد من المدن الليبية بنسب متفاوتة

حيث يُكمل بأن السكان المحليين بدؤوا يلجأون لهذا النوع من الزواج لعدة تطورات معقدة طرأت على النسيج الإجتماعي في الجنوب الليبي ودول ما تحت الصحراء, حيث يُعزي هذا لعدم إستكمال العديد منهم أوراق الرقم الوطني الخاصة بهم بسبب الإجراءات التفصيلية المعقدة للمواطنين وغير المواطنين الذين قام القذافي بتوطينهم في الإقليم الجنوبي القاصِ.

اًيضاً هناك الكثير ممن هم غير ملمين بالإجراءات الرسمية للزواج والذين يجهلون السن القانونية المسموح بها للمرأة بالزواج – والذي يكون وفقاً للقانون الليبي 18 سنة – وأحياناً يكون بسبب إنتهاء صلاحية ترخيص المأذون الشرعي والذي يواصل مزاولة عمله دون رخصة صالحة فلا يستطيع توثيق الزواج لدينا.

 

 

الضحية الأولى 

 لم أتخيل أن أكون يوم جزء من قصة تتعلق بالزواج العُرفي فقد كنت أعتقد أن قصص الزواج العرفي لا تحدث إلا في المسلسلات المصرية.

أنا طرف ثالث في هذه القصة 

هكذا تستهل خديجة 35 عام  وأم لأربعة أطفال من سبها حديثها, بأنها ضحية لإرتباط زوجها بإمرأة آخرى بعقد زواج عُرفي دون علمها, والذي قرر أن يخبرها بهذا الزواج بغيةً منه لتوثيق زواجه العرفي في المحكمة بعدما قامت زوجته الثانية برفع قضية لإثبات زواجها والعمل على الإعتراف به رسميا, حيث توضح خديجة بحزن بأنها كانت تُعامل زوجها بطريقة جيدة وتعيش معه بإستقرار رغم تعدد علاقاته غير الشرعية بالنساء واصفةً إياه بالرجل النسونجي ودائم العلاقات الطائشة والمؤقتة.

وتوضح خديجة أن زواج زوجها دام سنة دون علم أي شخص سوى عائلة زوجته وأن الاخيرة رفعت القضية بسبب حملها حسب إدعائها, رغم أنها لا تعتقد بحقيقة وجود حمل حسب إعتقادها.

 وقد حكم القاضي بتسجيل الزواج رسميا وقانونياً دون أي رادع قانوني أو مخالفات موضوعة لهذا النوع من الزواج

تُردف خديجة بمرارة ظاهرة بأنها فرت بعد كل هذا مع زوجها إلى طرابلس لإبعاده عن طليقته التي طلقها بعد ضغوطات من عائلته, وفعليا حدث الطلاق في ظل وضع عشوائي وغير معلوم حيث لا تـضمن أن لا يعود إلـيها أو حتى مع غيرها في ظل سهولة إجراء هذا النوع من الزواج, فأكون الزوجة التي هي أخر من يعلم مرة اخرى.

الضحية الثانية 

أمينة 30 سنة من مدينة سبها والتي تعتبر الضحية الأولى لزواجها والذي لم تعلم أنه زواج عُرفي وغير موثق لدى المحكمة, حيث تزوجت أمينة في سنة 2009 لدى مأذون شرعي في حي الطيوري في سبها, وبعد أسبوع من زواجها تحصلت على عقد الزواج والذي كانت تظن أنه عقد سليم وموثق.

ولكن بإستياء تقول أمينة أنها وبعد مُضي سنوات أنجبت خلالهم طفلين في المستشفى دون أي ملاحظات او مشاكل  وعقب إنجابها لطفلهاالثالت ونتيجة للتشدد في الاجراءات داخل مستشفى سبها الطبي علمت وبمحض الصدفة أن عقد زواجها مزور وغير سليم,  فأعلمتها إدارة المستشفى  بذلك  ومنعوها من تطعيم إبنتها بعد ولادتها مباشرةً  لعدم امتلاكها عقد شرعي.

و تواصل أمينة ذات الاصول التارقية  الآن رفع قضية إثبات زواجها بعد ان أكدت لها المحكمة عدم صحة عقدها الاول وعدم الاعتداد به وانها كانت ضحية مأذون شرعي انتهت رخصة مزاولته لمهنة المأذون ولذلك لم يسجل زواجها لاعتبار رخصته لاغية.

تقول امينة أنها تعاني الأن بسبب خطأ مأذون شرعي لم يراعي أخلاق مهنته وتركها لسنوات تعتقد أنها تمتلك أوراق رسمية وتضيف أمينة أنها تأسف لعدم وجود قانون يجرم هذا الشخص ويعاقبه.

ليس زواجاً عُرفياً

يصرح السيد علي المليمدي وهو محامي مُختص في قضايا إثبات الزواج برفضه لـ مصطلح  (الزواج العرفي)  ويفضل بتسميته الزواج غير الموثق , مُحاججاً بأن الزواج الذي يحدث في سبها هو زواج بموافقة ولي أمر الزوجة وحضور شهود لهذا الزواج, بالإضافة إلى وجود مهر يقدم للعروس مما يجعل هذا الزواج هو زواج مكتمل الأركان, أما ما يحول دونه ودون الزواج الرسمي هو عدم توثيقه من قبل المأذون الشرعي فقط, لهذا ربما نختار له إسماً مبدئيا ً كالزواج غير الموثق أو غير المدون في وثيقة رسمية.

كما يضيف السيد “المليمدي” بأن عواقب هذاالزواج كبيرة منها عدم التحصل على ُكتيب عائلة أو شهادة وضع عائلي أو حتى شهائد ميلاد خاصة بالإطفال, حيث يصعب حتى الإنجاب في مستشفى حكومي في ظل عدم وجود عقد رسمي للزوج.

توثيق الزواج اليوم بات لتحقيق أغراض الرعاية الصحية أو توثيق حالات الولادة فقط 

 

لذا يلجأ من تزوجوا ُعرفياً إلى توثيق زواجهم فقط لقدوم مولود جديد أو لعدم تحصله على رعاية طبية أوشهائد و أوراق ثبوتية له.

 

لماذا سبها ؟ 

يوضح السيد “المليمدي” بأن أسباب ظهور هذا النوع من الزواج خصيصاً في سبها أو المناطق المحيطة بها كونها مدينة شبه حدودية مع دول أفريقية متعددة الأعراق والأجناس ومختلطة الجذور والأنساب, فأغلب من يلجأؤون إلى عدم توثيق زواجهم كانوا خارج ليبيا وفي مجتمعات لا تشترط توثيق الزواج بشكل قانوني, كما أن عنصر الفقر والجهل بضرورة إعتماد الأوراق الخاصة بالزواج لدى المحكمة هو من ساهم فعلياً في إنتشار هذه الظاهرة بين  الأجيال السابقة والحالية.

يُضيف أيضاً بأن تردئ التعليم ونقص التوعية المجتمعية والكيفية في الجنوب ساهم في ذلك بشكل كبير خاصة في الأحياء الفقيرة العشوائية.

أمازيغ ليبيا .. الصراع من أجل الهوية

بالرغم أن الأمازيغ هم الفئة الغالبة من الناحية العرقية في مكون الهوية الليبية, لا يزال العديد من الناس يعتبرونهم أقلية عرقية, بالنظر إلى عدد الناطقين بلغة الأمازيغ في وقتنا الحاضر.
ولكن هل فكرت يوما بإعادة النظر والبحث عن أصولك الجينية, فمن الممكن أن تكون سلالتك الجينية أمازيغية نظراً لإرتباط هذه السلالة بالأصل الجيني لسكان شمال إفريقيا.
فلا تحاول الحكم على الهوية الليبية بمفهومك الخاص, بل عليك التمعن جيداً في هذه الهوية وما تحمله من خصوصية وتنوعِِ عرقي وثقافي وحضاري. 

 

تعددت الدراسات و الأبحاث حول الأصل الجيني لسكان شمال إفريقيا, فالتنوع المظهري الذي يتسمون به يقف حاجزاً أمام تحديد ما إذا كان الأمازيغ من أقدم الأعراق البشرية أم أنهم نِتاج تلاقح لعدة مكونات جينية مختلفة.علمياً يُعد التحور الجيني (E1b1b1b1(E-M81 من السلالات الجينية الذكورية الأكثر شيوعا في شمال إفريقيا.

موقع family tree dna الخاص بالدراسات الجينية

وهو الجين الأصلي لسكان شمال أفريقيا ومنه تنحدر القبائل البربرية “الأمازيغية”. ويُعتقد أن أول ظهور لها كان منذ 5600 سنة.

و تُعد أكثر مناطق التواجد الأمازيغي كثافة في ليبيا هي سلسلة “أدرار نفوسة” و مدينة زوارة الساحلية, أيضاً في غدامس ويسميها أهلها “عديمس” وغات و أوباري ووادي عتبة وسوكنة واوجلة والفقهة ونسبة صغيرة في الجغبوب وفي مناطق متفرقة من كل الجنوب الليبي المتمثلة في قبائل “إيموهاغ” الرحل، ولا توجد أي إحصاءات رسمية عن تعداد الأمازيغ في ليبيا.

 التيفيناغ

(تيفيناغ) والتي تعرف أيضا بالكتابة الليبية القديمة أو البربرية واحدة من أقدم الأبجديات التي عرفها التاريخ، والتي تُصنف كلغة أفروأسيوية, تتفرع إلى عدة لهجات متحدّثة حسب المنطقة وتشترك في قواعد اللغة, الصرف النحو وتنحصر الإختلافات في المعجم و التنغيم.
و يؤكد بعض المختصين أنها عاصرت الكتابة الأولى التي عُرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين، ويرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح, كما تشهد على ذلك الكتابات والنقوش الموجودة في الصحراء الكبرى كما يذهب إلى ذلك الباحث “الحجي آمي”.
وعموما فإن عمر تيفيناغ يعد مسألة لم تحسم بعد، وبحاجة إلى بعض الوقت. ولكن تيفيناغ مما لا شك فيه سابقة للأبجدية الفينيقية بقرون كما أثبتت الدراسات الأثرية الحديثة، الأمر الذي ينفي بما لا يدع مجالا للشك الافتراض الذي تبناه كثير من الباحثين الأجانب من أن تيفيناغ ذات أصل فينيقي.

والتنوعات الكبرى في اللغة الأمازيغية هي حسب تعداد الناطقين بها في المنطقة نذكر منها التنوع في اللهجات في ليبيا:
لهجة أمازيغ الواحات – اللهجة الأمازيغة التارقية -اللهجة النفوسية -اللهجة الزوارية – اللهجة الغدامسية.

رسومات \ منيرة الحاج

الأمازيغية في ليبيا من لغة محظورة إلى مادة دراسية 

إستناداً إلى المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية الذي ينص على أن “للشعوب الأصلية الحق في إقامة نُلظمها ومؤسساتها التعليمية والسيطرة عليها وتوفير التعليم بلغتها، بما يتلائم مع أساليبها الثقافية للتعليم والتعلم.
إذ أصدرت المجالس المحلية للمدن الناطقة باللغة الأمازيغية في عام 2012 قرارا بإدراج اللغة الأمازيغية كمادة أساسية في المنهج الدراسي للمرحلة الابتدائية، 7 بلديات في ليبيا تعتمد منهج اللغة الأمازيغية كمادة أساسية للمرحلة الابتدائية؛ وفي عام 2015 صدر قرار من وزارة التعليم بإنشاء قسم اللغة الأمازيغية في كلية الآداب زوارة.

نافع مالطي رئيس قسم اللغة الأمازيغية بكلية الأداب زوارة يقول أن مساعيه لإنشاء قسم خاص باللغة الأمازيغية كان شغله الشاغل منذ عام 2013 عندما كان عميدا لكلية الأداب إذ تواصل حينها مع إحدى الجامعات في الجزائر بشأن المناهج التي ستُعتمد والمحاضرين أيضا, وبعد تجهيز المناهج تم تقديم مقترح إنشاء قسم اللغة والذي مر بالعديد من الإجراءات والإدارات وصولا إلى وزارة التعليم، وفي عام 2015 أصدرت وزارة التعليم قرارا بإنشاء قسم اللغة الأمازيغية بجامعة زوارة.

يصف مالطي شعوره بعد صدور القرار أنه من أهم الإنجازات التي عمل عليها يوما، وأن السنة القادمة ستشهد تخريج أول دفعة في ليبيا لقسم اللغة الأمازيغية، ويضيف أن هناك محاولات من بعض النشطاء والأكادميين لتأسيس قسم في جامعة جبل نفوسة.
خطوة هي الأولى من نوعها في ليبيا، يراها الكثيرون إنجاز للهوية ودعم لبقاء اللغة وتطورها.

الفولكلور الأمازيغي 

تميز الأمازيغ بفنونهم وثقافتهم إذ يعتبر الأمازيغ في ليبيا أن العادات والتقاليد والطقوس في المجتمع الليبي مستمدة من أصول أمازيغية حصل عليها إثراء من ثقافات أخرى دون القضاء عليها, وللأمازيغ في هذا ما يميزهم عن غيرهم من الشعوب و الأعراق الأخرى في ليبيا اليوم حيث يحتفل الأمازيغ إلى يومنا هذا برأس السنة الأمازيغية المعروف بالتقويم الفلاحي, نظرا لإرتباطه الوثيق بالزراعة, ويتزامن حلوله مع اليوم الثالث عشر لبداية السنة الميلادية, أعتمد هذا التقويم في سنة 950 قبل الميلاد, مما يعني أن هذه السنة 2018 توافق  2968  عند الأمازيغ.

الفن الأمازيغي الليبي 

طالما اعتبرت الفنون مرآة للروح، وحافظة لهوية وثقافة الشعوب، كان الغناء والموسيقى جزءا من ثقافة المجتمعات الأمازيغية، وكانت عدة آلات لها خصوصية داخل المجتمع كآلة القيتارة والبندير والمندولين، الكثيرون تأثروا بالقصص القديمة المعروفة ب”تينفاس” والشعر المعروف ب”أسفرو” والغناء الطويل المعروف بـ”اينيج ازقرار” التي كانت تحكيها أمهاتهم وجداتهم، حيث كان للمرأة دور مهم في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية.

رمزي الغالي فنان من مدينة زوارة تأثر بالقصص القديمة والشعر والغناء الطويل الذي كان يسمعه من جدته، امتلك تلك الأذن الموسيقية منذ الصغر وبدأ اهتمامه بالموسيقى منذ ذلك الحين، جذبته القيتارة، تلك الآلة الوترية الموسيقية التي يعتبرها الآلة المحببة لدى المجتمعات الأمازيغية منذ القدم، تميزها عن باقي الآلات الموسيقية تردداتها وايقاعاتها المختلفة، تعلق بداية بالموسيقى المغربية والقبايلية الجزائرية، يقول

كنت استمع إلى العديد من أنماط الموسيقى العالمية وكنت أستمتع بها لكن عندما أستمع الى الفنان الأمازيغي ايدير كان يراودني شعور مختلف كانت تحرك شيئا داخلي لم أعلم ماهو عندما كبرت عرفت أنها كانت تُحرك فيَّ الهوية

مرت الموسيقى والأغنية الأمازيغية الليبية الحديثة بمراحل عدة، كانت بدايتها مع زايد صمامة في ستينيات القرن الماضي، ثم سبعينيات القرن الماضي التي شهدت تطورا على أيدي الفنانين أمثال صالح الهوش وبوعجيلة عكاشة، وتلتها فترة الثمانينات التي أسهمت كلمات وأشعار الكاتب سعيد سيفاو المحروق في إحداث نقلة نوعية في الأغنية الأمازيغية بالإضافة إلى فنانين آخرين أمثال خالد النجار وعبدالله عشيني وعبدالله الدنباوي والمالطي، ثم تأتي فترة التسعينيات والتي كان هو أحد روادها.

يسرد لنا الفنان رمزي الغالي الصعوبات التي كان يواجهها فنانو القرن الماضي حيق يقول أن كل فنان أو ناشط في المجال الثقافي كان يتعرض للمراقبة والمطاردة من قبل أجهزة النظام السابق وكانت أسماؤنا على لائحة الممنوعين من السفر، ويضيف

أحييت عدة حفلات في طرابلس وتونس ومدينة سيوة بمصر وفي الجزائر كانت كلها تُنظم بطريقة سرية بعيدة عن عيون أجهزة النظام، أما رحلتي لمصر والجزائر كانت عبر الحدود بطريقة غير قانونية حرصا على حياتي

الغالي لم يكن يحلم أن يكون مغنيا، كانت كل أحلامه عن الموسيقى كتابة ولحنا، لكن الحظر المفروض على الأنشطة الثقافية في ليبيا أدى لفراغ فني داخل المدينة واهتمام القليلين بالموسيقى هذا ما دفعه للغناء للمرة الأولى سنة 1996 ونشر حينها أغنية قديمة معروفة باسم ايضناط.

خصوصية اللباس والمأكل

منذ القدم كانت للمجتمعات خصوصيتها في اللباس والأكل بناء على العديد من العوامل الديموغرافية و البيولوجية و السيكولوجية, والأمازيغ الليبييون كغيرهم من الشعوب لهم خصوصيتهم و ثقافتهم الخاصة في اللباس و الأكل.

وائل فطيس وهو باحث في التاريخ الأمازيغي يقول أن المناخ الجوي في ليبيا كان عاملا مهما في تكوين خصوصية الأكل، وبسبب المناخ الجاف اعتمد الليبيون القدماء على كسكسو والزميطة وأضمين والأكل البعلي بشكل عام. ونُقل عن مؤرخين منهم هيريدوث وبيليني قولهم أن الأمازيغ كانوا معتمدين على سياسة التقشف وعدم الاستهلاك في الأكل فترة القرن الرابع قبل الميلاد. 

كما أضاف فطيس أن أول من اخترع الملابس الداخلية المصنوعة من مادة الجلد هم الأمازيغ، وكانوا يرتدون ملابس من الجلد والقماش كانت عبارة عن قطعة كبيرة لا حياكة فيها، ومن الألبسة التي لازالت حاضرة إلى عصرنا هذا هي أحولي وتيمدقلت والشمَلت التي تصنع من الصوف، إضافة إلى بلّيري وهو رداء ترتديه النساء أخذ طابع معين عند كل قبيلة، كانت كل قبيلة أمازيغية  لها طريقة محددة ولون محدد في ارتداء البليري حتى يمكن تمييز نساء كل قبيلة عن الأخرى.

 

 مر اللباس بمراحل مختلفة، كان الهدف من الملابس قديما تغطية الجسد وتدفئته ثم أخذت الشعوب تتفنن في ابتكار ملابس بطابع مميز يشبهها ويعبر عنها وعن هويتها.

الوشم الأمازيغي صراع الهوية و الدين

تفننت الشعوب منذ القدم في فن الرسم على الجسد بتعبيرات مختلفة ولغايات متنوعة. ويعتبر الوشم من أقدم تلك الممارسات، إذ ظهر في مختلف الحضارات على مر التاريخ. في ليبيا، عُرف الوشم مع الأمازيغ، إذ يعتبر ثراثاً عريقاً وموغلاً في الثقافة الأمازيغية وجزءاً من هويتها. واقترن أساساً بالمرأة وبدرجة أقل بالرجال، فلدى غالبية النساء الأمازيغات وشوم. فمن شبه المستحيل أن تجد جدة أمازيغية يخلوا جسمها من الوشوم, فالوشم يُعد تقليد موغل في الثقافة الأمازيغية له مدلولات أسطورية وجمالية. إذ يتخذ الوشم بعداً جمالياً لدى الأمازيغ ويعتبر من أهم وسائل زينة المرأة الأمازيغية، فهي التي توشم عند سن البلوغ لتعلن عبر الأشكال والرموز والرسوم دخولها مرحلة النضج. وتضع الوشم في مختلف مناطق جسمها، كالوجه والذراع واليد والصدر والنهدين والرجلين والمناطق الحساسة من جسدها، ليتحول إلى لوحة فنية تخاطب الآخر لإثارة إعجابه. فيصبح للوشم دلالة جمالية إغرائية. أما الرجال فيكتفون ببعض الوشوم في اليد والذراع والأرجل. رسومات \ فاطمة مسعود

ومع ظهور الإسلام وانتشاره في البلاد واعتناق الأمازيغ له، لم يتخلوا عن هذه الممارسة مباشرة رغم تحريم الأحاديث النبوية للوشم، بل أستمرت عادى الوشم لدى الأمازيغ في ليبيا حتى بدأت مع مرور الزمن تتلاشى تدريجيا نظراً لقناعة أغلب الأمازيغ أن الدين يُحرم مثل هذه المماراسات. السيدة “تلعيز” ثمانون عاماً من مدينة زوارة تضع وشماً على جبينها عندما كانت في سن الحادية عشر كدلالة على نضوجها وبلوغها, إذ يعتبر الأمازيغ المرأة التي تضع الوشم في هذا السن كدلالة جاهزيتها للزواج. تقول “تلعيز” كان الوشم تقليداً يُتبع عند كل أهل المدينة، وعند الحديث عن تجربتها مع الوشم قالت إنها أهلها وضعوا لها وشماً وهي في سن صغيرة كتقليد يتبعه الأمازيغ, وتقول إنها تتذكر هذا جيداً إذ كان الوشام الذي قام بوضع الوشم لها رجل من قرية مجاورة لهم, وتصف أن عملية الوشم كانت مؤلمة ولم تكن تعي أهمية وضع الوشم بالنسبة لها سوى أنه تقليد يُتبع عند بني عرقها من الأمازيغ. تقول هذه السيدة اليوم إنها نادمة على وضعها لهذا الوشم بعد إدراكها أن هذا العمل هو محرم في الدين الإسلامي كما أخبرها بعض رجال الدين في مدينتها, وتقول إنها تتمنى إزالته وعدم وجوده على جسدها ولا ترى هذا الوشم إلا تشويه لوجهها فقط لا غير.

رسومات \ فاطمة مسعود

 نظرة حول حقوق الأمازيغ

مادغيس أومادي الناشط الأمازيغي يقول في حديثه لنا عن أمازيغ ليبيا بأن الحديث عن عرق الأمازيغ في ليبيا يمكن التطرق إليه من الجانب الحقوقي وذلك لأن أغلب الناس تتفق على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. إذ يعتبر “أومادي” أن الحديث عن الأمازيغية أو حقوق الأمازيغ التي اضطهدت سواء من الأنظمة السابقة أو الحالية يجد دائما مساندة من العديد من الناس من مختلف الأعراق.

ويستهل “أومادي” حديثه عن وجود بعض الحساسيات حول حقوق الأمازيغ والتي تأتي من مفهوم خاطئ, إذ يؤكد أن هذه الحساسيات غالبا ما يكون لها إرتباط بنعرات قبلية.
ومن وجهة نظره يقول “مادغيس”

 

 

التنوع الثقافي وتمسك كل عرق بثقافته ولغته وفنونه لايعني إقصاء الأخر

ويواصل حديثه بقوله أن الإعتراف بحق العرقيات المختلفة هو الأساس من أجل الدخول في التفاصيل وتضمين هذه الحقوق من قبل أهل الإختصاص وذلك من الناحية التشريعية من خلال نصوص قانونية واضحة تضمن حق كل مكون من مكونات الأمة الليبية.

ويستطرد في رؤيته حول التنوع العرقي في ليبيا وحقوق الأمازيغ تحديداً بقوله أنه يجب أن لا يتم تداول قضية الأمازيغ مقابل العرب أو العرب مقابل التبو أو التبو مقابل الأمازيغ …إلخ إذ أن هذه الاعراق الثلاثة وهي الحالة الموجودة في ليبيا يجب أن توضع حقوق هذه الأعراق مقابل ما تنص عليه المعهادات الدولية لحقوق الإنسان.

وفي نهاية حديثه يقول مادغيس أن التنوع والتعدد العرقي والثقافي هو ما سيخلق لنا الأمان والإستقرار معبراً عن هذا بقوله أن

 

 

المجتمعات المتعددة لغوياً ودينيا وحزبياً وثقافياً و عرقياً هي أكثر المجتمعات إستقراراً وتقدماً

 

 

العيش تحت خطر التهديد

عُرف عن الأمازيغ في ليبيا اتباعهم للمذهب الإباضي أحد المذاهب الإسلامية والذي يختلف في بعض الأحكام عن المذهب المالكي، في يوليو 2017 أصدرت اللجنة العليا للإفتاء التابعة للهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة فتوى بتكفير الإباضية ووصف أتباعها بالخوارج.

سهام بن طالب حقوقية أمازيغية وعضوة في المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا تقول إننا كشعب أمازيغي نواجه دعوة للتصفية خاصة بعد الفتوى التي أصدرتها اللجنة العليا بتكفير الإباضية ووصفهم بالخوارج، مؤخرا تم الهجوم على مسجد إباضي في منطقة تندميرة وخطف إمام المسجد وتكفيره من قبل مجموعة من خارج المنطقة، إضافة إلى حادثة الخطف التي تعرض لها الناشط الأمازيغي ربيع جياشي في بنغازي واتهامه بالعمالة والجوسسة بسبب كتابته بحروف التيفيناغ.

وتعلق بن طالب على الحقوق الدستورية والقانونية قائلة أن فترة النظام السابق (نظام القذافي) كان يحظر علينا استعمال اللغة الأمازيغية كنا نتحدث بها فقط داخل المنزل ومُنِعنا حتى من تسمية  أبنائنا بأسماء أمازيغية.

اليوم لدينا بعض المكتسبات كتدريس اللغة والاحتفال برأس السنة، لكن الدولة بمؤسساتها لازالت لاتعترف بحقوقنا وأعيادنا

منذ صدور الإعلان الدستوري في سنة 2011 وتعديله سنة 2012 اعترض الأمازيغ على المادة 30 بشأن آلية الانتخاب التي تنص على أن قرارات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور تصدر قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد، وبعد قرابة السنتين من الأخذ والرد تم تعديل الفقرة بإضافة التوافق مع المكونات الثقافية ليصبح النص تصدر قرارات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد مع وجود التوافق مع المكونات الثقافية فيما يخصهم، وتقول بن طالب معلقة على التعديل أنه مطاطي ويدعوا للكثير من التأويلات مالم تحدد ماهي المسائل التي تخص المكونات الثقافية.

سنة 2017 أصدرت منظمة ماينوريتي الدولية تقريرها السنوي الذي صنفت فيه الأمازيغ في ليبيا من المجموعات التي تعيش تحت خطر التهديد. 

الحجاب في ليبيا عادة أم عبادة

وفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة البيرو في يناير 2018 والتي تمت بمشاركة 538 امرأة ليبية عن الحجاب في ليبيا, أجابت 83%من السيدات محل الدراسة بأنهن محجبات أي (446 امرأة), كما أجابت 17% منهن أي (92 امرأة) بأنهن غير محجبات.

 

كما تعددت الأسباب وراء إرتداء الحجاب لدى النساء الليبيات فكانت النسبة الأكبر بـ 56% كسبب رئيسي وهو الواجب الديني والفرض الإسلامي كونهن مُسلمات , في حين أجاب 26% منهن بأن الواجب الإجتماعي أو طبيعة المجتمع هي السبب الأول لنا في إرتداء الحجاب, أما 14% منهن أجابوا بأن الفرض العائلي أو إرغام الأسرة لهن هو السبب وراء ذلك, و 4% كأسباب أخرى تباينت بين أسباب أمنية والحماية الفردية من العنف اللفظي والجسدي.

 

 


 

أيضاً عندما سألنا النساء الليبيات ماذا يعني لكُن الحجاب ؟ أجابت 55% منهن بأنه لباس له قدسية خاصة ,  و 33% أجابوا بأنه مجرد عادة مجتمعية ,  أما 6% منهن أعتبروا الحجاب مجرد قطعة ملابس عادية كغيرها من الملابس اليومية, وأخيراً 7% كانت لأسباب اخرى تفاوتت ما بين لباس يناسب الموضة العصرية وآخريات أجابوا بأنه قرار شخصي لا يعني أي  شئ .

في حين  كان الإنعكاس الإيجابي للحجاب على النساء المشاركات في الدراسات بنسبة 48% أي ( 260 امرأة ) وسلبي بنسبة 19% ( 98 امرأة ) وأجابت نسبة 33% ( 180 امرأة ) منهن بعدم معرفة مدى الإنعكاس الإيجابي أو السلبي للحجاب عليهن.

بين الحجاب والسفور

تتأثر العديد من النساء في العالم الإسلامي بالتجارب المحيطة بها والعوامل المتوفرة التي تهيئ لها بيئة مناسبة لإرتداء الحجاب من عدمه, حيث أن ليبيا كدولة متوسطية تأخد الطابع الديني في كافة المسالك الحياتية لمواطنيها, والذي يعتبر كعامل أساسي يعكس بشكل مباشر تطور وإنتشار الحجاب في ليبيا في المدن والحواضر والأرياف, وكذلك بين كل الأطياف الإجتماعية .

تقول أ. فاطمة غندور – ماجستير في علم الأنثروبولوجيا وأخصائية سيسيولوجية  بأن الحجاب هو ما يحجب عنّا الآخر, أي أن المصطلح له دلالة مادية ومعنوية في ذات الوقت, وبالنظر إلى الأرشيف الليبي نجد أن الحجاب يمتد لأكثر من قرن في ليبيا ولكن كان على هيئة لباس تقليدي ( الردي والفراشية), وفي مجتمع بطريركي أي يحتكم للسلطة الأبوية أو الهيمنة الأسرية فإن الحجاب لاقى قبولاً إجتماعياً واسعاً وبدأ بالإنتشار بهذه الكيفية وهذا النحو لإن الإعتقاد السائد آنذاك هو حجب المرأة عن الأعين وعن الجميع, سواء أثناء الحركة والتنقل بين الأماكن أو في حرية الملبس والكساء, أيضاً في خمسينيات القرن الماضي وبداية تحرر المرأة في مجالات العلم والمعرفة والبحث عن العمل والإستقلالية الجزئية كان من شواهد ذاك العصر فك الحجاب في مناسباتٍ وأوقاتٍ معينة وأثناء السفر أو الترحال خارج ليبيا, كما كان هناك مفهوم الإحتفاظ بغطاءٍ جداً صغير أو قصير على الرأس بما يعرف بـ( الملابس الإفرنجية) والذي لا يؤدي فيها الحجاب بهذه الطريقة صفة الحجب الكامل بل كان مجرد رمزية معنوية لا أكثر .

  في السابق لم يكن سؤال السفور والحجاب رائجاً بشكل كبير كما الآن 

تواصل أ.غندور أنه لم ينشغل المجتمع بذات المفهوم والتفسيرات السابقة والحث على الحجاب فحسب,بل تجاوزت في فترة نهاية الثمانينات هذا الحد وأصبحت النسوة ينشغلن بدروس مدى إرتباط الحجاب بالواعز الديني والأخلاقي, ومحاولة ربط أن المحجبة هي المحترمة وأن غير المحجبة توضع عليها إشارات إستفهام تخص أخلاقها وتصرفاتها .

أما الآن ومع ظهور التيارات الإسلامية وداعش تم إعادة النظر بشكل كبير في مفهوم الحجاب, حيث أصبحت هناك أسئلة تطرح ليست على السوشيال ميديا فقط بل في قلب مؤسسات دينية ومراكز دراسات إسلامية كبرى وهذا الأمر جداً إيجابي.

الحجاب ثقة بالنفس 

قد تمر بعض النساء بحالة من التردد أثناء أخدهن لقرار إرتداء الحجاب ولكن في المقابل هناك العديد منهن على يقين بأن قرار الحجاب هو القرار الصائب والذي يمنحهن السكينة والثقة بالنفس.

هنــا تقول زينب القبائلي, 22 سنة خريجة كلية الإقتصاد والعلوم السياسية, عضو في المركز الطلابي لجامعة طرابلس ,أن يمكن للحجاب أن يحد من التحرش الجسدي سواء في الجامعات أو المؤسسات التعليمية وكذلك الشارع ولكن في كثير من الأحيان لا يحد من التحرش اللفظي للأسف, فضلاً عن أن إرتداء الحجاب لابد أن يكون منبثقاً من قناعة شخصية مستقلة بدون ممارسة أي ضغوطات من قبل الأهل أو العائلة وهذا ما يترجم اليوم إرتداء العديد من النساء للحجاب بطريقة غير صحيحة .

تضيف زينب بأن تجربتها مع الحجاب في بادئ الأمر كانت سيئة ولم تحبذه, ولكن مع نضوجها الفكري أصبحت ترى أن للحجاب قدسية مميزة ورقي من نوع خاص للسيدات المسلمات, وأن إرتداءها للحجاب أضاف لها الكثير من السعادة والإرتياح في حياتها.

حيث لا تشجع زينب إرتداء الحجاب فقط لتقليد زميلات الدراسة أو العمل أو لمجرد نظرة المجتمع الحادة, كما لا تشجع أن يتم فرضه أو منعه داخل المؤسسات التعليمية بل هو قناعة فردية لاتحتكم لأي مؤثرات خارجية ومجتمعية ولكن في المقابل تنصح أن تتدبر النساء ما الغاية من وجوب إرتداء الحجاب.

   الدين ليس فقط إرتداء الحجاب 

 

 

سيكولوجيا الحجاب

في هذه الجزئية تطرح نورا الجربي , 30 سنة وهي مؤسس لمجلة O+  أفكارها تُجاه الحجاب فتقول أن الحجاب بالنسبة لي هو عبارة عن قطعة قماش عادية كغيرها من قطع الملابس الآخرى ولا يوجد أي إختلاف بينها , فالحجاب حسب رؤيتي الخاصة ليس معياراً لأي شي ولا يؤدي أي وظيفة أخلاقية ولا يمكننا إعتباره كمقياس للعفة أو الحشمة لدى المرأة , فليس من الموضوعي أن نضع أحكام أخلاقية معينة عن طريق غطاء موضوع فوق الرأس.

تصف نورا تجربتها بإرتداء الحجاب على أنها بائسة , فقد فٌرض عليها إرتداءه من قبل إخوتها الذكور عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة بنغازي متحججين بأن إرتداءها للحجاب في هذا الوقت بالذات حرصاً وتفادياً منهم لأي مشاكل قد تحصل مع الميليشيات المتطرفة والمنتشرة داخل المدينة فلم يكن إرتدائها له برغبة شخصية أو قرار فردي ومستقل.

كما تقول أن عنصر التقيد في الحركة و محدودية لغة الجسد والكلام تساهم سيكولوجياً علينا كنساء بمجرد إرتداء الحجاب, وليست  التأثيرات السيكولوجية وحدها بل هناك أيضاً تأثيرات فسيولوجية مهمة.

 التأثير الفسيولوجي خطير جداً

وهو حرمان حتى الشعر من أشعة الشمس  

فيما تستطرد الجربي قائلة بأن إحساس الرجل بالغيرة إتجاه زوجته أو أخته أو أي مرأة له سلطة عليها هو سبب رئيسي من أسباب لجوء السيدات لإرتداء الحجاب في ليبيا , حيث وصفت بأن حب التملك لديه يجعله يفرض هذا النوع لتكون هي ملكية خاصة له.

 

 

مسائل التحرش المحجوبة

تُلفت جداً إنتباهي أعين الرجال التي تحدق في النساء المحجبات وخاصة المنقبات منهن سواء في سوق الخضار أو عند خروجي بالسيارة, أنهم يرون تلك المرأة لغز محير يثير فضولهم لمعرفته والتعمق فيه.

هنا إسترسلت أ.فاطمة غندور في قولها بأنه ليس من العدل أن يكون للمنقبة حق برؤية من يقف أمامها بينما في المقابل هو أو هي لا يتساوى معها في هذا الحق . كما أن حجب النساء بقطع قماشية بحجة الحفاظ عليهن من التحرش بكافة أنواعه هو حجة باطلة, فاليوم التحرش يطال المحجبة وغير المحجبة, كما أن ظواهر مُخلة كالمعاكسات والعنف اللفظي لا يتوقف من قبل الطرف المتحرش (الذكر) لمجرد وجود الحجاب.

بالإضافة إلى أن وجود الحجاب هو رد فعل عن وجود التحرش أو غرائز شهوانية هذا أمر ليس بمنطقي, فمن قام بفعل التحرش وتسبب فيه وجب له توجيه عقوبة له, وليس بتسليط عقوبة على الضحية أو الطرف المتحرش به .

حيث يروج العديد من رجال الدين والدعاة أن المرأة المحجبة لا يمارس عليها اي عنف أو أذى, كما يحاول أيضاً الإعلام التابع لمؤسسات إسلامية ودعوية خاصة أن تبين أن النساء المحجبات هن رموز للعفة والحشمة, وهذا لا يستثني ذلك سواء مرأة محجبة أو غير محجبة, فجميعنا نرتكب الأخطاء.

 

القناعة بالحجاب وتبدل المفاهيم

سارة الهادي, 32 سنة, بكالوريوس طب وجراحة وطبيب عام MD من بنغازي وهي مقيمة في أمريكا, تقول سارة كانت لي تجربة مع الحجاب في بادئها كانت مليئة بالبهجة كوني فتاة تشبه أقرانها وكل صديقاتها, فأرتديته في عمر السابعة عشر متأثرة بمحاضرات وبرامج الداعية عمرو خالد وقتها, وكمحاولات عديدة مني للتقرب إلى الله حاولت إرتداء الحجاب أيضاً, ولكن مع مرور الوقت شعرت بأني غير سعيدة تماماً ولم استطع حتى مشاركة هذا الشعور إتجاه الحجاب مع صديقاتي.

تواصل سارة تساؤلاتها مع مرور كل هذه السنوات لماذا أرتدي الحجاب وهو لا يمثلني؟

فبعد تعمقي في تفاسير القرآن ومحاضرات الداعية عمرو خالد والذي أقنعنا بأن الحجاب وُجد للتفريق بين المرأة الحرة والمرأة العبدة, وصلت إلى قناعة ثابتة ومستقرة بأنني لا أريد تغطية شعري للفوز بالجنة.

وأخيراً وبعد مُضي 12سنة تمكنت من خلعه, ولكن في المقابل إزدادت وتيرة الضغوطات من المجتمع لأنني أعلم جيداً أن رد فعل المجتمع لا يكون إيجابياً حينما تقرر المرأة خلع الحجاب.

كما تقول سارة بأن التأثير العام للحجاب على المرأة هو الشعور بالتقيد وإخفاء نفسك عن الجميع, فأنا كـ سارة شعرت جداً بالإرتياح لمجرد خلعي للحجاب حتى في حياتي الشخصية والمهنية, بالإضافة إلى أن السيدات اللاتي يوهمن أنفسهن بالشعور بالرضى عند وضعهن لـ الإشارب هن فعلياً مقيدات ولا يشعرن بالإرتياح على الإطلاق, بل يتسألن في كل مرة لماذا نضعه خاصة في أوقات الصيف وشدة سخونة الطقس التي من المنطقي فيها أن نرتدي ملابس خفيفة تقلل من وطأة الحرارة.

زواج الليبيات من الأجانب ثقافات متبادلة

يُعد الزواج أحد أهم  وسائل التواصل بين الشعوب , ووصلة حقيقية للتبادل الثقافي والإجتماعي بينهم, بالإضافة الى إن الزواج المختلط بين الأعراق والجنسيات والجذور هو دافع للمعارف وتقوية العلاقات البشرية والأنثروبولوجية.

كما أن الزيجات المختلطة لها تأثير قوي في تنوع التراكيب المُجتمعية والنسلية, وهذا التأثير يترك سفارات متعددة داخل ذات الشخص, لتجعل منه سفيراً متعدداً وممثلاً لثقافات وبيئات مختلفة.

ومن خلال هذا البورتريه الكتابي نود تسليط الضوء على قصص سيدات عشرينيات من ليبيا تزوجن من أجانب, حيث نصور هنا زاوية رمادية في مجتمعنا,  لا نعلم الى اليوم ما الأسباب وراء الرفض وعدم القبول بهن وبأبنائهن ؟

إستفهام عنصري

تمتزج القضايا المدنية بإمتزاج بورتريه قديم يؤكد أن شعوب الأرض هم خليط مُعقد, ولكن لم تقف يوماً الأعراق أو الجنسيات عائقاً بين أي شريكين, حيث تطالب ملاك بمنح الجنسية الليبية لأبناءها بل ولزوجها أيضاً.

ملاك طبيبة ليبية, تزوجت من رجل سوري وُلد وترعرع في ليبيا, درس في مدارسها وجلس على أرصفة شوارعها وعاش مع الليبيين جنباً الى جنب في ظروف السلم والحرب التي مرت بها البلاد. واليوم ملاك تسرد لنا قصتها والصعوبات التي تواجهها كونها ليبية متزوجة من أجنبي حيث شكلت لها هذه الصعوبات تأثيرات سلبية تعيق حرية حركتها وتنقلها من ليبيا الى البلاد المجاورة رفقة عائلتها

تعيش ملاك اليوم في طرابلس وتواجه أشد الظروف مع عائلتها في محاولة جدية منها الى التأقلم مُجتمعياً وقانونياً ورغم كل هذا القانون الليبي لا يقف الى صفها على حد تعبيرها. حيث أنها تفكر في كل لحظة في ابنها الذي لا يحظى بأي حقوق سياسية أو اجتماعية في ليبيا سواء في الوقت الحالي أو حتى على مدى المستقبل القريب البعيد, فليس من السهل على ملاك توفير الاحتياجات العاطفية والمادية وكذلك البيئة المُجتمعية الحاضنة.

 أيضاً  مدى صعوبة إجراءات الإقامة والسفر خارج البلاد في ظل إحتياج أسرتها لتأشيرات عبور للبلدان  المجاورة  كونهم مواطنين غير ليبيين.

تضيف ملاك  أن الحياة في ليبيا بالنسبة للأجانب تزداد صعوبة في قطاع العمل بالأخص. حيث أن القطاع العام يفضل توظيف المواطن الليبي عن المواطن الأجنبي رغم وجود الكفاءة “ وهذا الأمر يتعارض مع أسس التوظيف العام في كافة دول العالم.

حيث ان زوجها تقدم للعديد من الوظائف الشاغرة في طرابلس ولكن أرباب العمل غالباً ما يواجهوه بالرفض وعدم القبول كون أن العوائق الوظيفية للأجنبي ستكون بنسبة أعلى من توظيف المواطن المحلي.

وفي إطار الدراسة تواجه أيضاً كأي ليبية متزوجة من أجنبي مشاكل حقيقية في إجراءات التسجيل المدرسي لابنها الوحيد والذي سيعامل كأجنبي رغم ولادته و ولادة أبيه في ليبيا ورغم كل هذا لازالت عائلة ملاك تعامل بكل عنصرية مُجتمعية على أنهم عائلة أجنبية وغريبة عن ليبيا.

ويبقى السؤال الذي تكتبه ملاك يومياً في مذكراتها “إلى متى” ؟ 

إلى متى سيبقى ابني أجنبياً في بلد منحها كل الحُب والود والإنتماء ؟

 

 

حدود جغرافية وعوائق مُجتمعية

لم تقف الحدود الجغرافية كجدار حاجز بين طرفي زواجها , بل كانت خريطة الكرة الأرضية مُجتمعة في دولة واحدة في قصة فاطمة الشريف“.

تعيش فاطمة ذي الأربع والعشرين ربيعاً مع زوجها في مدينة “نوردراين ڤيستفالن الألمانية, لأب ليبي وأم  مغربيةدرست القانون لفترة قصيرة متأثرة بالتخصص العائلي الذي يشغله أغلب أفراد عائلتها, ومن ثم رجعت الى دراسة الطب كخيار شخصي لها.

غادرت الشريف ليبيا في سنة 2010 الي ألمانيا في رحلة أستمرت معها ليومنا هذاوالتي كُللت بزواجها من الألماني مارتن حيث  حضيت معه بفرصة خلق عائلة جديدة بثقافة مختلطة وجذور متجانسة.

 

ومن هنا بدأت تجربة فاطمة والتي كانت
مليئة بالنضالات الفردية لــعدم القبول العائلي من جهة الأم والأخ لها
, ورغم التشجيع الذي لاقته فاطمة من أبيها والذي حفزها للمُضي بحرية في إختيار شريكها ورفيق حياتها ومع ذلك  ترى عائلتها ان هذه التجربة ليست محلاً للإعجاب أو الدعم بل وليست قابلة حتى للطرح أو إستجلاب الأراء.

وكما جرت عليه العادة أن مُناصرة الزواج المختلط دراسياً أو من خلال العمل المدني هو أمر يكاد يكون معدوماً داخل المجتمع, ورغم هذا تحاول فاطمة من خلال صفحتها الشخصية على موقع فيسبوك وسناب شات التوعية للسيدات المتزوجات من أجانب داخل ليبيا أو خارجها للمطالبة بحقوقها وحقوق أسرتها , والعمل على التوعية المُجتمعية لتقبل هذه التجارب كتجارب تُضيف للمجتمع لا تنتقص منه.

وفي ذات هذا الوقت الذي لا تعتبر فيه فاطمة  زوجها الألماني أجنبياً هناك من يعتبرون المتزوجات من أجانب هن حيوانات سيرك للفرجة فقط”  على حد تعبيرها. أي لا يمكن إتباعهن أو العمل بما أقدمن عليه على محمل الجدية

وتقول الشريف أن التحديات المُجتمعية والأسرية كبيرة جداً أمام السيدات الليبيات اللاتي يقدمن على الزواج المختلط, فيتم مقابلتهن بالرفض وإنهاء علاقاتهن الإجتماعية بعائلاتهن, والكثيرات تعرضن للسب والشتم على إثر ذلك كونهن “خارجات عن العُرف”  حتى السيدات اللاتي تزوجن من عرب ومسلمين.

حيث تكون ردود أفعال عائلات هؤلاء السيدات دائماً تهجمية ودون توضيح لأسباب منطقية , حيث وصفت فاطمة أن بعض العائلات تعتبر الى يومنا هذا الزواج بغير ليبي هو “عار” على المجتمع.

ومن  هذا المنطلق تقول أن لا وجود لبشر بهوية أحادية, جميعنا مختلطون عرقياً ودينياً, حتى القبائل البدائية الأولى حول العالم لازالت تحمل موروثات أسلافها المتعددين.

قرار شجاع

أسماء خليفة, 28 سنة, باحثة وطالبة ماجستير في مجال السلم والنزاع. درست أسماء في تركيا وبرزت في العمل المدني داخل وخارج ليبيا, وتعرفت على زوجها النرويجي من خلال دراستهما المشتركة في ذات المجال.

لم تستطع “أسماء” تصنيف علاقتها في بادئ الأمر ولكن تركت مسافة لنفسها وأتبعت إستراتيجية وصفتها بــ  ( الذكية).
حيث سمحت لوالدتها بالتعرف عليــه والتحدث معه دون معرفة طبيعة علاقتهما وهذه الإستراتيجية ساهمت بشكل كبير في إقناعها ومعرفة مدى جدية علاقتهما.

في بداية الأمر ترددت أسماء في طرح فكرة الزواج على عائلتها بالكامل, وبعد تردد طويل جرت الأمور بطريقة سلسة وحاولت إعلام المُقربين من عائلتها فقط وتركت باقي المُهمة لوالدتها على حد تعبيرها.

أسماء تقول نحن الإثنان جداً متناسقان من حيث الإعتقادات والأفكار ولا أرى بأنه “أجنبي” رغم الخلفيات الثقافية الشاسعة بين بلدينا ولكن هذا ساعدنا كثيراً في تخطي العديد من الحواجز والعراقيل الإجتماعية.

أضافت أيضاً رغم عدم إعتراف الدولة الليبية بزواجي فإن هذه التحديات كانت سبيلاً لنجاح علاقتي مع زوجي, و اليوم نحن في السويد تحت مظلة قوانين الاتحاد الأوروبي الذي يدعمنا ويحمي حقوقنا على عكس القانون الليبي الذي لن يمنح الجنسية لزوجي أو لأبنائي مستقبلاً وأيضاً القانون النرويجي الذي يقيد حرية حركتي وعودتي الى ليبيا للعمل لذلك نحن نعيش هنا في السويد.

 

 

“كلنــا ننتمي للإنسانية ولا فروقات بيننا”

تصف أسماء القوانين الوطنية لبعض الدول على أنها بيروقراطية وقديمة الطراز ولا تتماشى مع الحياة المدنية اليوم. كما وجهت رسالة للسيدات الليبيات اللاتي أقدمن على الزواج من أجانب أو اللاتي سيقدمن على ذلك بأن لا يسمحن للمجتمع بأن يختار نيابة عنهن أو يحد من خياراتهن.

 

لا وجود لطفرات المجتمع هنا

لا حياة شخصية هنا, حياتك الشخصية هي رهن للمجتمع إما أن يكون الرهان سهل السداد. بالتالي يمكن التأقلم معه أو يصعب سداده فيصبح عقبة في وجهك ووجه عائلتك, هذا ما سترويه لنا أماني في قصتها مع زوجها الألماني.

 “سأصف تجربتي بأنها ناجحة وناجحة جداً”  

هكذا تقول أماني الطالبة الليبية المُبتعثة في ألمانيا و التي تعيش تجربة ناجحة مع زوجها و فشلت في إقناع عائلتها وكسب دعمهم لها في ذات الوقت.

تعرفت أماني على زوجها أثناء دراستها في ألمانيا, والتي وجدت فيه حسن الطباع والقبول بشخصيتها وطبيعة بيئتها, بل وتقاربت الحياة بينهما حتى في اللسان الناطق بالعربية والديانة الإسلامية.

وبمجرد تيقن أماني بالرفض من قبل أهلها حاولت التكتم على حقيقة علاقتها معه ولكن ما إن أحست بوجوب مُصارحة الأهل والعمل جدياً على إقناعهم. لأن ما تؤمن به أماني جيداً ان ما تقوم به ليس بالأمر المُخالف قانونياً.  ورغم إقتناع والدتها بزواجها ومحاولة دعمهاً من وقت لآخر ولكن طال الرفض والدها وأختها واللذان شجبا فعلها بحجة جلب العار للعائلة.

ومن هنا أصبحت أماني تواجه العديد من المشاكل مع أسرتها والتي لم تستطع التواصل معهم بشكل جيد نتيجة للضغط الذي يقع على عاتقها جراء زواجها بأجنبي. حيث ان هذا الضغط ساهم بشكل سلبي على حياتها والذي على إثره لم تتمكن من محاولة الإنجاب خيفة أي رد فعل سلبي من عائلتها.

أماني اليوم تطالب بوجوب توعية الأجيال الحالية والقادمة بضرورة تقبل الآخرين بإختلافاتهم العرقية والأصولية, بالإضافة للنهوض بــ العمل المدرسي والجامعي على هذا الشأن الذي سيساهم برفع التوعية للإفراد والمجتمعات.

 

نهايات قانونية ثابتة

 

رغم خشبية القانون الليبي في تناوله لمنح الجنسية وحقوق المواطنة لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب, ولكن هذا لا ينفي أن القانون الليبي وفقاً للمادة 11 من القانون 24 والتي تنص على
يجوز منح الجنسية الليبية لأبناء الليبيات المتزوجات من غير ليبيين وفقاً للضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية من هذه المادة.

في حديث للمحامية والمستشارة القانونية خديجة البوعيشيبخصوص هذا الموضوع أكدت البوعيشي بأن اللائحة رقم 594 لسنة 2010 وضعت الضوابط اللازمة لتنفيذ المادة وجعلت موضوع منح الجنسية جوازاً لا إلزاماً لهم. حيث ميزت بين الأبناء القاصرين والبالغين لليبية المتزوجة من أجنبي.

في ذات اللائحة أجازت للأم بتقديم المستنذات المطلوبة لمنح أبناءها الجنسية بينما الراشدين فتمنح لهم الجنسية بعد طلبها شخصياً ونيل موافقة الوالدين بالخصوص.أما فيما يخص الإلتزامات المادية والرسوم المدرسية فيعتبر القانون الليبي أن أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي هم أجانبفلا يحق لهم التمتع بمجانية التعليم والرعاية الصحية وكذلك حق المواطنة والمشاركة السياسية, وفي المقابل يعفيهم القانون من أداء الواجبات العامة كأدا ء الخدمة العسكرية مثلاً .

وفي إشارة مهمة أيضاً لحماية حق المراة الليبية المتزوجة من أجنبي في ميراث
ها لزوجها , فقد أشارت البوعيشي الى أن القانون الليبي لا يسمح للأجانب بتملك العقارات والأراضي أيضاً الإ لغاية إستثمارية بشرط شراكته مع أسهم ليبية أو رأس مال ليبي, ومن هنا يمكن للزوجة إسترداد قيمة هذه الأسهم نصيب الزوج من هذه الشركة وفقاً لمشروعيتها القانونية .

كما أضافت الى أن منظمة حقي للنساء الحقوقيات في ليبيا تسعى الى رفع الوعي المُجتمعي بحملات تطالب بمنح الجنسية وحقوق المواطنة لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب كالحملــة التي أطلقت مارس الماضي جنسية أمي جنسيتي“ للمطالبة برفع القيود التي تخص منح الجنسية وفقاً للمطالبة بحق المساواة المكفول قانونياً فالمواطنون والمواطنات متساوون أمام القانون  وفي القانون, وهذا يتنافى مع عدم منح الجنسية لأبناءهن وفقاً لهذه القاعدة القانونية التي تعارض التمييز بين الجنسين في ليبيا.

 

 

فوضى حرة في سجن كبير

في ذات الوقت الذي تكون فيه الغوغائية هي المُضرمة بنيران الحرب الأهلية في ليبيا , يُخلق جانب آخر لا يتوقف, لينتج لنا في كل لحظة حراكاً موسيقياً, كتابياً وأدبياً جديداً .. هنا ليبيا . وُلد كتاب ليولد معه عنفوان أدبي صارخ بحق التعبير بعد غياب لعقود طويلة, حق يحطم قيود الصمت والإنصياع لأفكار وليدة اللحظة سُميت بــ “الأعراف المُجتمعية“.

 

أفكار شبابية لم تبقى رهن الأدمغة وقيد التفكير بل ترسخت في أشعارٍ, قصصٍ, راويةٍ ونثر .. حتى أحدثت هذه الفوضى ثورة فكرية جديدة في بلد يعج بالمشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

قُدمت مؤخراً الأنثولوجية الأدبية الليبية تحت مسمى “شمس على نوافذ مغلقة“ في إطار عمل مشترك يربط مؤسسة آريتي للأدب والفنون ودار دارف للنشر في لندن وبالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني ودار الفرجاني للنشر في طرابلس ضمن حوصلة ثقافية لأفكار ٢٥ شاب وشابة, تختلف ألسنتهم وأشكالهم وأنماط لباسهم , بل وحتى طبائعهم في تقديم أنفسهم للجمهور .

الأنثولوجية سردت وقائع الحروب والثورات وقضايا مُجتمعية مستحدثة, بالإضافة الى نصوص تحاكي خيال القصة المُحافظة والقصة الجريئة, وآخرى تدافع عن قضايا الأقليات وتطرح الفقر وإضطرابات العلاقات البشرية.

حيث تناولت المجموعة حقائق وفروض ونِتاجــات عامية و عربية, كما نسجت خيوط متينة غير متفرقة لتقديم مزيج فني مُعالج.

أبجديات مفقودة

ضمن أسواق الأدب والفن في العالم أجمع لا يوجد جمهور ثابت أو قواعد جامدة, فقد قام فريق عمل الكتاب برحلة إلى بنغازي جواً لحضور حفل التوقيع الثاني بعد الحفل التقديمي الأول في طرابلس , والذي لاقى نجاحاً مشجعاً, ولكن ما لم يكن متوقع أن مسيرة الكتاب إنهارت سريعاً في مدينة الزاوية “ 45 كم غربي طرابلس“ .. حيث وُجه الكتاب ومؤلفيه ومحرريه الى هجمة إلكترونية مُنظمة بعد عرضه في نادي القارئ “دار الكتاب“ في المدينة, بعد أن تم تداول مقاطع محدودة من رواية “كاشان“ القصة الإفتتاحية للأنثولوجية والتي عرضت نوع من العامية الجريئة وشعبوية لغة الشارع وأسلوب الواقعية غير المفلترة, كما بُررت هذه الهجمة بأن ما يطرحه الكتاب هو مجموعة من الأفكار الدخيلة التي تتعارض مع الإسلام تارةً ومع الضوابط المجتمعية تارةً آخري, واصفين الكتاب على أنه خطر حقيقي على أخلاقيات المجتمع والأعراف الليبية المُحافظــة.

و في سياق الهجمــة أيضاً و التي بقى فيها غلاف الكتاب الأصفر هو المحظور الأول والأخير داخل أروقة وتجمعات كبرى, فقد تداول المحرضون على الكتاب صوراً وبيانات شخصية للكُتاب على صفحات التواصل الإجتماعي مُعلنين أن الكتاب وفريق العمل هم “ الأولة من الجميع “ بالقصاص والإعدام دون الأخذ بعين الإعتبار قوانين الملكية الفكرية في القانون الليبي ومبادئ حرية التعبير المصونة من المجتمع الدولي.

 

الكتاب المثير للجدل

“شمس على نوافذ مغلقة” الفكرة التي انطلقت في عام 2015 بإعداد قائمة تضم مجموعة شباب موهبين في الكتابة وجمع نصوصهم الأدبية وتقييمها وفرزها, مع الحرص على وضع معايير أساسية لهذا الاختيار، مثل الشريحة العمرية الواحدة “العشرينيات”، و التنوع الجندري و الجغرافي، والتنوع الأدبي وجودته. من أجل إنتاج عمل من شأنه أن يساهم فنيا وثقافيا في تنمية البلاد. هكذا يصف د. خالد مطاوع محرر الكتاب في حديثه لنا عن العمل الأدبي الذي أثار الجدل.

ويقول مطاوع انه تم إطلاق الكتاب في مدينة القاهرة في حفل بمقر الجامعة الأمريكية في 23 مايو 2017. ثم جاء حفل التوقيع الأول بمدينة طرابلس في 4 يوليو 2017. تلاها حفل توقيع بمدينة بنغازي يوم 16 يوليو 2017. ثم وُجهت دعوة من نادي القارئ بمدينة الزاوية لإقامة حفل توقيع للكتاب يوم 26 أغسطس 2017. حفل مدينة الزاوية كان الشرارة التي أشعلت فتيل الهجمة التي وُجهت ضد الكتاب بعد نشر جزئيات من رواية “كاشان” عبر مواقع التواصل الاجتماعي.



يذكر أن النص الذي أثيرت حوله الانتقادات، هو عبارة عن مقطعين من رواية كاشان” لأحمد البخاري التي سبق أن نشرت في طرابلس عام 2012، برقم إيداع 2012/429. ردمك: ISBN 978-9959-812-73-5، أي أن هذا النص قد حظي بموافقة الهيئة العامة للثقافة وقت حكومة عبدالرحيم الكيب.

وبعد بدء الهجمة الشرسة بحسب وصف مطاوع, يقول محرر الكتاب انه لم يتوقع الهجمة لإعتباره أن النص الذي أثار الجدل ليس بالنص المثير للجدل فعليا بحسب اعتقاده, ولكنه يرى أن القائمين على هذه الحملة ضد الكتاب توضحت نواياهم التي تهدف الى طمس أي نوع من أنواع الثقافة والأدب.

و كان رد الفعل الأوّلي لـ مطاوع بعد كل هذا الصخب ضد الكتاب بإعلانه تحمل المسؤولية بشكل مباشر كمحرر للكتاب عن كامل محتواه وعن اختيار النصوص. محاولاً إيضاح الحقائق حول الكتاب وعن النصوص المتعددة التي به وعدم مسؤولية بقية الكُتاب عن ما قام بنشره الكاتب أحمد البخاري. مشجعاً بقية المشاركين بأن ينشروا نصوصهم لكى يظهر للعامة محتوى الكتاب الذي طمسته الصفحات المنشورة من مشاركة البخاري.
كما أكد على تواصله مع جميع الكُتاب ومحاولة مساعدتهم ومتابعة أوضاعهم والتأكيد على سلامتهم وتشجيعهم على الاستمرار ومواصلة مشوارهم الإبداعي, خاصة أن هذه الضجة سيكون لها تأثير طويل المدى على نفسيات الشباب، وقد يربكهم الأمر ويفرض عليهم ترك الكتابة اساسا. كما أن بعض المشاركات تلقين الكثير من اللوم و الضغط من عائلتهن مما قد يؤدي لتركهن الكتابة لحين. مضيفاً أن هذه الحملة اثبتت حاجة ليبيا للثقافة وأهمية دعم التنوع الفكري والأدبي والفني فيها.

ويقول مطاوع أن السبب الأساسي لوجود هذا العمل هو التعريف بهؤلاء الأدباء الشباب ودعم مواهبهم. و توفير مواد أدبية تخاطب فئة الشباب مكتوبة من قبل مؤلفين من سنهم. و دعم الكتاب الليبيين الشباب من خلال نشر أعمالهم ولفت الانتباه إليها. أيضا من أجل إبراز المواهب الشابة وتحفيزها ومساعدتهم على الظهور بشكل اكبر وتعريف الناس بهم .

المرأة دائما مستهدفة

رغم أن صاحب النص الجدلي في كتاب “شمس على نوافذ مغلقة” رجل ولكن بدى من الواضح استهداف المرأة في الحملة التي شُنت ضد الكتاب, سواء بنشر صور و أسماء المشاركات أو حتى التهديدات التي تصلهم بشكل مباشر بغرض إبعادهن عن الساحة الثقافية .

فيروز العوكلي وهي إحدى المواهب الأدبية الشابة المشاركة في الكتاب بـ أشعار وقصص قصيرة, تروي لنا ما تعرضت له إزاء الحملة التي تعرض لها الكُتاب المشاركين في هذا العمل . وتقول إنها تعرضت لهجوم عنيف عبر مواقع التواصل الإجتماعي, وذلك بنشر صور شخصية لها أثناء حفل توقيع الكتاب بمدينة بنغازي مع عبارات مسيئة وجارحة في حقها ناهيك عن رسائل السب والشتم والتهديد غير المبررة التي وصلت الى حد التكفير من قبل بعض الجماعات الدينية.

وتقول العوكلي أنها تعاملت مع هذه الحملة بكل هدوء وصبر, مؤكدة على عدم تأثير ما حدث على طموحها في مواصلة مشوارها ككاتبة, مرجعة سبب انتشار صور المشاركات في الكتاب بشكل واسع وتعرضهن للمضايقة أكثر الشباب الي ثقافة المجتمع الذي دائما ما ينتقص من حق المرأة ولا يتقبل مشاركتها وظهورها في مجالات الحياة المختلفة ثقافية, فنية, سياسية أو غير ذلك من المجالات .

كما أضافت الكاتبة الشابة فيروز أن كل المشاركين في هذا العمل معرضين للخطر جراء التهديدات المتتالية التي تؤكد أن هذه الحملة لم تكن بشكل عشوائي كما يعتقد الكثير وإنما كانت حملة منظمة من قبل تيارات فكرية معينة تهدف الي تضييق الخناق على الحراك الثقافي في ليبيا بشكل عام مستغلين العوامل التي تمس العادات المجتمعية.

فيروز شأنها شأن باقي المشاركات في الكتاب وضعت تحت مجهر مجتمع يرى في ظهور المرأة ومشاركتها في جميع المجالات ظاهرة غير سليمة تمس بعادات وتقاليد المجتمع.

تضامن ثقافي ضد التحريض والتهديد

انقسم رواد الحراك الثقافي وأنصاره في ليبيا الى مجموعات مؤيدة للكتاب كقطعة متنوعة تطرح شأناً أدبياً وصفته بــ “ الأدب الصادم “ وآخرى عارضت النص محل الإعتراض وبقت على تأييدها لباقي النصوص .

فالبرغم من الحملة التي شُنت ضد الكتاب عبر مواقع التواصل الإجتماعي الا أنه وبالمقابل كان هناك تضامن ثقافي من كُتاب و أدباء ومثقفين ليبيين وغير ليبيين.
إذ سارع عشرات الأدباء والكُتاب والمثقفين العرب بالتوقيع على بيان، عبر الإنترنت، يدين مصادرة السلطات الليبية للكتاب كما ينددون من خلاله بالحملة الضارية ويدينونها، ويطالبون بإيقافها العلني والفعلي. كما يطالبون الجهات الرسمية ذات العلاقة بالثقافة، والسلطات القائمة، بتحمل المسؤولية في حماية الكُتّاب والمحررين ودار النشر والمنظمين لحفلات التوقيع. وأن تتخد موقف واضح من إغلاق المراكز الثقافية وتكميم الأفواه، وإعتبارها المسؤولة عن حرية الفكر والنشر والإبداع وحماية الكتّاب والمبدعين.

كما قامت منظمة القلم الدولي بإصدار بيان أعربت من خلاله عن قلقها على سلامة الكُتاب والمحررين, محملين السلطات الليبية كامل المسؤولية عن سلامة الكُتاب وجميع المعنيين بالكتاب, معتبرين أن تصريحات وتصرفات السلطات الليبية تقوض حرية التعبير بدلاً من دعم الكتاب والمحررين الذين تستهدفهم الجماعات الدينية .

                                                                    

 

 

عزّة المقهور وهي ناشطة حقوقية تقول أن الحراك الثقافي هو جزء من حركة المجتمع الليبي ككل، ولا شك انه تأثر بظروف الحرب. لكن الجانب المضيء في كل هذه العتمة التي نعيشها هو ظهور نشاطات شابة في كل مناحي الحياة خاصة الاجتماعية من خلال منظمات المجتمع المدني والتجمعات الثقافية.
إذ يحاول بعض الشباب الذكي التعامل مع توحش الحرب بإضاءة شموع الثقافة والفن، لكن وطئة الحرب وجبروتها بطبيعتها تحارب كل ما هو انساني وبفظاظة منقطعة النظير.

فالمقاومة بالكلمة اثناء ظروف الحرب اعتبرها مقاومة بطولية.. لقد حرك هذا الكتاب الراكد واظهر تشوه وحجم الدمار الاجتماعي الذي طال البلاد واهلها.

فلابد من التمييز بين النقد لعبارات أو جمل معينة وحرية التعبير تجاهها بل ومعارضتها وتتبع السبل المتاحة لإظهار ذلك، لكن في ظروف الحرب والعنف غالبا ما يكون الرأي – كما ظهر لنا تجاه جزء من رواية في كتاب من مئات الصفحات- مشوهاً وعنيفاً ومحرضاً ومهدداً وناسفاً لمستقبل زاهر ينحته الشباب بالريشة في زمن العنف.


كل المعارك ضد الكتاب خاسرة، والابداع لا ينضب لأن منبعه البشر

لا مواقف رسمية مشجعة

“مطبوعات هدامة تسيئ الي الأخلاق والآداب العامة” هكذا وصفت الهيئة العامة للثقافة بحكومة الوفاق الوطني كتاب شمس على نوافذ مغلقة في رسالة وجهتها الهيئة الي أصحاب دور النشر والمكتبات. أكدت من خلالها مصادرة النسخ الموجودة ومنع نشرها وتداولها وأن كل من يخالف هذا سيُعرض نفسه للملاحقة القانونية.
موقف غير مشجع, مزعج ومحبط في حق شباب طموح ومبدع أراد أن يقدم مواد أدبية لمجتمع تشبع بالعنف والحرب والخطابات العدائية التي تدعوا للإقتتال والحرب.

الهيئة العامة للثقافة أدانت محتوى الكتاب واعتبرته يتنافى مع الأخلاق العامة مؤكدين بأن الكتاب الذي نُشر خارج ليبيا, لم يخضع للإجراءات القانونية لمنحه الموافقة على الطباعة والنشر.

وفي ذات السياق الهيئة ذاتها لم تعطي أي أهمية لإغلاق أحد أهم الفضاءات الثقافية والفنية, بعد أن قامت مجموعة مسلحة بإغلاق دار حسن الفقيه حسن بمدينة طرابلس على إثر احتضان الدار لحفل توقيع كتاب شمس على نوافذ مغلقة في وقت سابق .

الأمر الذي جعل من موقف السلطات الرسمية من تصريحات مقوضة لحرية التعبير موقف سلبي, بدلاً من دعم الكُتاب والمحررين الذين تستهدفهم جماعات دينية, تمثل خطر على الثقافة والفنون بشكل عام . مما يجعلنا نطرح تساؤل هل هيئة الثقافة تدعم أم تحارب الحراك الثقافي في ليبيا ؟.

                                                                  

أبواب مغلقة

دار حسن الفقيه حسن للفنون والثقافة ( القنصلية الفرنسية سابقاً) منارة الثقافة والفنون عراقة العمران وثراء المضمون, ذلك الصرح العتيق و العريق الواقع في زقاق المدينة القديمة التي تتميز بأقواسها وطراز مبانيها القديم, تحديداً بزنقة الفرنسيس المطلة على قوس ماركوس اوريلوس, المكان الذي طالما أحتضن في أروقته مختلف الأنشطة الثقافية والفنية الذي يجتمع خلالها الادباء والفنانين والمثقفين. والذي ينأى برواده بعيداً عن الواقع الفوضوي فيكون متنفس فكري وفني مشجع ومُلهم لهم, من أجل النهوض بالحركة الثقافية والفنية والحفاظ على استمراريتها رغم كل الظروف الصعبة .

لم تسلم هذه الدار أيضا من تبعات الهجمة التي شُنت على كتاب “شمس على نوافذ مغلقة” عبر مواقع التواصل الإجتماعي فتسارعت الأحداث وتوالت ردود الفعل و حدث ما حدث و أُغلقت الدار فقط لأنها إحتضنت حفل التوقيع الأول في طرابلس للكتاب الذي أثار ضجة كبيرة في الشارع الليبي.
وبحسب ما ذكرته لنا السيدة “فوزية عريبي” المسؤولة عن الدار من تفاصيل الحادثة التي وقعت بتاريخ 27 أغسطس 2017, إذ قام جهاز المباحث العامة فرع المدينة القديمة, بإغلاق الدار معللين هذا بأنه موقف ورد فعل منهم لما نُشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي عن الكتاب المثير للجدل!
ولكن لم يستمر الإغلاق طويلاً فقد تم إعادة فتح الدار مجدداً بتاريخ 5 سبتمبر2017. بشرط أن تقوم إدارة الدار بإبلاغ جهاز المباحث العامة بتفاصيل أي حدث أو نشاط تستضيفه أو تشرف عليه الدار. وهذا ما أعتبرته “عريبي” بالإجراء التعسفي الأول من نوعه الذي يُمارس على مثل هذه الفضاءات الثقافية والفنية, أي أنه و منذ إفتتاح الدار عام 2001 ومزاولة الدار لنشاطها كفضاء ثقافي وفني وفي أسوء الظروف لم يسبق أن تعرضت الدار لما تتعرض له الأن من راقبة من قبل الجهات الأمنية بهذه الطريقة, مؤكدة على أن تدخل الجهات الأمنية في الأمور الثقافية أمر غير مقبول بتاتاً. وهذا ما قد يؤدي الي تراجع ملحوظ في الحراك الثقافي بسبب تخوف المؤسسات الثقافية والنشطاء وكل من له صلة بالحراك الثقافي من الرقابة الأمنية التي تُفرض على الدار وهذا ما يُعد تقويضاً وتضييقاً على النشاط الثقافي في ليبيا.

ضمانات قانونية

بعد كل هذ الجدل والآراء المختلفة حول الكتاب, الجميع يتساءل عن ما يجيزه وما يمنعه القانون الليبي في مثل هذه الحالات.

إن طرحنا تساؤلات قانونية عن وجود نصوص قانونية تضمن حق التعبير والنشر في ليبيا وعن الضمانات القانونية للكُتاب في النشر مستقبلاً؟
سوف نجد أن حقوق الكٌتاب المشاركين في الكتاب في الكتابة و النشر مستقبلاً محفوظة و مٌبينة في القانون رقم 9 لسنة 1968 الذي يضمن حق المؤلف والذي يتضمن 4 أبواب و 51 مادة, تحديداً بما تتضمنه المادة 27 و التي تنص على المصنف الجماعي كما هو الحال في كتاب ” شمس على نوافذ مغلقة ” إذ أن الجهة التي تقوم بتجميع النصوص سواء كانت هذه الجهة شخص طبيعي أم اعتباري متمثل في دار النشر على سبيل المثال والتي قامت بإبتكار هذا المصنف بحيث تعتبر هي الوحيدة التي تملك حق مباشرة حقوق المؤلفين في هذا المصنف و بهذا يقع عليها عاتق تحمل أي إلتزامات قد تترتب لاحقاً عن المصنف.

ومن ناحية أخرى الرأي القانوني في النص الذي أثار كل هذا الجدل حول الكتاب هل يُجرم القانون هذا النص أم لا ؟
بحسب القوانين والتشريعات الليبية لم يجرم قانون حماية حق المؤلف و الصادر عن قانون رقم 9 لسنة 1968 ما كتبه أحمد البخاري في روايته و التي تم نشرها مسبقاً من قبل وزارة الثقافة و اعتمدها بشكل رسمي كعمل تم قبوله و يسمح بطباعته و نشره .

حيث نص القانون في مادته الاولى ” يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم أيا كان نوع هذه المصنفات أو طريقة التعبير عنها أو أهميتها أو الغرض من تصنيفها “.

هذا النص يوضح و بشكل صريح و واضح بأنه يحمي مؤلف مٌصنف الاداب سواء من حيث النوع او طريقة التعبير عنه و لم يذكر القانون في أحد مواده بأن وجود عبارات تعتبر خادشة للحياء تصنف كجريمة فكرية او ادبية .. إلخ و غير مسموح بها بالإضافة لمبدأ الأصل في الأشياء الإباحة و الأصل في الإنسان البراءة و كذلك مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص.

تراجع مستوى الحريات

شهدت ليبيا تراجع خطير في السنوات الأخيرة على مستوى الحريات, فقد أدى إنتشار الجماعات المسلحة

وإستمرار الصراعات المسلحة الي تدهور في حالة حقوق الإنسان وتعطيل الخدمات الأساسية .
وأدى غياب الإستقرار السياسي وعدم وجود سلطات قانونية الي انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب مما جعل من وضع الحريات المدنية والسياسية في ليبيا ينعرج الي منعرج خطير جدا .

وبحسب التقرير السنوي لمنظمة فريدوم هاوس حول الحريات في العالم صُنفت ليبيا عام 2017 بـ “غير حرة” حيث حلت ليبيا في المركز 178 من أصل 195 دولة شملهم التقرير مسجلة تراجع -7 نقاط عن عام 2016, وانخض تصنيف الحقوق السياسية في ليبيا من 6 إلى 7 عن العام الماضي بسبب مشاكل واسعة النطاق مرتبطة بالأزمة السياسية والأمنية الجارية، بما في ذلك الانتخابات المتأخرة وعدم وجود حكومة تعمل بكامل طاقتها معترف بسلطتها على الصعيد الوطني.

وجاءت الإحصائيات حول ليبيا لعام 2017 النتيجة الإجمالية 13\100(-7). الحقوق السياسية 3\40 (-3), العملية الإنتخابية 1\12(-3). الحريات المدنية 10\60 (-4), حرية التعبير والمعتقد 4\16 (-2) .

                                                                         

الجدير بالذكر أنه في عامي 2013\2014 صنفت ليبيا بـ حرة جزئيا كإشارة الي ارتفاع على صعيد الحريات المدنية والسياسية, وهو أفضل تصنيف تحصلت عليه ليبيا ضمن تقارير منظمة فريدوم هاوس السنوية.

2013

2014