“هاني الكوت” رحلة نضال من أجل موسيقى الروك في ليبيا

الموسيقى بالنسبة لي ليست مجرد هواية للترفيه بل هي فكر خاص جداً 

 

كانت هذه كلمات عازف الغيثار “هاني الكوت” قبل أن يبدأ حديثه معنا واصفاً شغفه بالموسيقى, فكان وقع تلك الكلمات ممتزجاً بالإستياء و المرارة. حيث إستهل حديثه بالتعبير عن إنزعاجه قائلاً أن هذا النوع من الموسيقى لا يلقى جمهوراً مستمعاً أو مدققاً في كم المفاهيم والرسائل التي تحاول كل أغنية أن ترسلها.   

لم تكن موهبة وشغف هاني بهذه الموسيقى محضاً للصدفة فقد نشأ ”هاني الكوت” في عائلة داعمة للفن, هاوية للسفر ومتفردة بصداقة قوية مع كبار الموسيقيين والفنانين في ليبيا و خارج ليبيا, حيث تأثرت شخصيته بموسيقى الغرب كأمثال جون لينون وغيره والتي دفعته إلى تعلم العزف على الغيثار منذ فترة مبكرة من عمره فـشارك في العديد من الحفلات منها في إسبانيا واليونان وهو لازال في سن صغيرة, كما أن فترة شبابه تعد رقماً صعباً بين الجيلين القديم كـ ناصر المزداوي وأحمد فكرون والجيل الشاب الحديث, فقاوم و عزف في ظروف ركود فني وسياسة دولة كانت أشبه بالوحش الأسود الذي يلتهم أي آلة عزف موسيقية و يُطيح بأي فنان ناشئ رغب الإنخراط في عزف موسيقى الروك أو البلوز.

الشغف سر البداية

يقول هاني كانت بداية مسيرتي في منتصف التسعينيات عندما عُدت إلى ليبيا لم يكن حينها الفن الغربي واسع الإنتشار, حيث كان أغلب رواد الموسيقى الغربية يقتصر نشاطهم على بعض الحفلات و التجمعات الخاصة فقط. 

فكانت بدايتي عندما ألتقيت بمحض الصدفة مجموعة موسيقيين من الجيل القديم في حفلة خاصة, انطلقت من خلالها في مسيرتي الفنية مع تلك المجموعة والتي كانت تضم مجموعة من عاشقي الفن الغربي من الجيل القديم الذين حكمت عليهم الظروف أن يبتعدوا عن ممارسة هذا الفن بشكل علني للناس, وهذا ما أثر على فهمهم للموسيقى الغربية بشكل كبير.

” بدأت شخصيتي الفنية الحقيقية تتكون مع بداية الألفية الجديدة“

شاركت في العديد من الحفلات الخاصة داخل ليبيا مع بداية الألفية الجديدة لبعض الشركات الأجنبية في بعض الفنادق أو المقرات الخاصة للشركات, وفي عام 2008 كانت أول حفلة عامة أقدمها للجمهور في مسرح بن سليم في طرابلس, والتي كانت تُعد الأولى من نوعها منذ أن منع النظام الحاكم حينها ممارسة الفن الغربي بشكل علني.
و بعد عام 2011 إنخفض نشاطي الفني في ليبيا لعدة أسباب لعل أهمها الظروف الأمنية في ليبيا وسيطرة الجماعات المتطرفة التي لا يروق لها الفن بصفة عامة فما بالك بموسيقى الروك. لهذ إتجهت للعزف خارج ليبيا لوجود بيئة ملائمة هناك فأصبحت اليوم من العازفين المعروفين في جزيرة جربة التونسية وغيرها من المدن الأخرى التي قمت بالعزف فيها.

 

 

رحلة بين جيلين

يقول ”الكوت“: أن فترة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كانت من أصعب الفترات في تاريخ الموسيقى الغربية في ليبيا, فكان قبول الشارع لها صعباً جداً, فأستفردت موسيقى المرسكاوي و الريقي بإهتمام الناس والتي أصبحت الأيقونة الوحيدة للموسيقى الذي عُرف بها الشعب الليبي.

” أحترم كل الفنون ولكن يزعجني أن يسيس فن معين على حساب فن آخر ”

 فقد ساهمت سياسة الحكم الواحد أيضاً حتى في صناعة الفن في تلك الفترة. كما أن عامل الخوف بالنسبة للعازفين ساهم بشكل كبير في نهوض فئة فنية معينة على حساب فئة آخرى والتي سببت في هجرة الكثيرين كأمثال حميد الشاعري إلى مصر وفؤاد البشتي إلى لندن وجلال التركي وغيرهم من الفنانين.

أيضاً إلى جانب السبب الرئيسي لسياسة الدولة التعسفية تُجاه الفن هناك سبب آخر وهو ضعف التمويل من جهات عامة وخاصة والتي كانت وراء تحول العديد من فرق الروك والبلوز في فترة الثمانينات والتسعينات وإلى الآن إلى فرق طربية ( موسيقى الأفراح وصالات المناسبات ) فما كان من عازفي هذا النوع إلا توجيه أنفسهم نحو موسيقى آخرى مرغوبة من الجمهور و كثيرة الطلب عليها. 

كما أن الشارع الليبي لم يكن مهيأًً بشكل كبير في تلك الفترة لتقبل هذا النوع من الموسيقى لأنه سرعان ما طغت عليه موسيقى (النجع) والتي كونت الصورة الدائمة في ليبيا وخارجها أن هذا النوع الوحيد الموجود في ليبيا ولا يمكننا تصدير نوع أخر من الموسيقى. 

تجمعات موسيقية سرية 

يقول هاني: واجه الموسيقيون الليبيون العديد من الصعوبات والتي قللت من ديناميكيات التدريب والممارسة الموسيقية لديهم سواء في الأكاديميات الموسيقية أو في إقامة حفلات عامة, والتي جعلت من تجمعاتهم أمر محظوراً و نشاطاً غير قانوني, وفي ظل كل هذا أصبح عازفي الروك والمهتمين بالموسيقى الغربية في ليبيا يتجمعون داخل بيوتهم فقط  لتبادل الأغاني وإعادة حفظها وتلحينها آنذاك. 

نحن كجيل السبعينات ومن قبلنا أيضاً تعرضنا لظلم كبير من كافة النواحي سواء من الناحية السياسية والأعراف الإجتماعية وكذلك الشح المعرفي بالموسيقى الغربية الذي كان سببه إنغلاق الدولة عن ثقافات موسيقية مختلفة. 

إستقلالية و إعتماد على الذات

المعرفة هي السبيل الأول والأمثل للوصول, هكذا يصف ”هاني“ تجربته في الإعتماد على ذاته في كل شيء تقريبا, فقد أصبح في السنوات الأخيرة يميل إلى الإنتاج الشخصي عوضاً عن العمل ضمن مجموعات أو فرق قد لا تهيئ له بيئة عمل جيدة, فحاول مرات عديدة لتحضيرات Covers و أغاني بنفسه داخل منزله في طرابلس و العمل على تجهيز استديو مصغر خاص به يمارس فيه موسيقاه. كما عمل جاهداً على تعلم العديد من التقنيات الصوتية المعقدة على إنترفيس  ( Audio interface ) قام بشراءه فقط ليخرج لنا بعمل ذاتي وكامل.

” كنت أقضي ساعات على اليوتيوب حتى تمكنت من تعلم كيف أستطيع تسجيل أعمالي بمفردي“

قام ”الكوت“ بإنتاج أول أغنية ( نتمنى ) I wish بنفسه والتي لاقت صدى ممتاز في ليبيا وحصلت على الترتيب الأول في Radio chart في برمنغهام – إنجلترا والتي أعجب بها العديد من النقاد والمهتمين بموسيقى الروك.

” في فترةٍ ما وصلت لمرحلة أنني عزفت بدون فرقة ثابتة معي لإنني لم أجد فرقة تتناسب مع نوع الموسيقى التي أقدمها ” 

عدم وجود فرق موسيقية تتقن الموسيقى الغربية واللون الذي يتماشى مع شخصيتي الموسيقية, جعل مني أفضّل العمل ضمن مجموعات مؤقتة بدلاً من العمل مع فرقة دائمة, حتى يتسنى لي تقديم موسيقى مقبولة أكثر للجمهور سواء من خلال إختيار الأغاني أو الكلمات.

الموسيقى صفقة غير رابحة 

” لا أحاول الكسب من وراء الموسيقى , فالموسيقى بالنسبة لي هي المكسب ”

     

بجملة سريعة قالها هاني أن الموسيقى ليست تجارة فأنا لا يمكنني أن أمتهن الموسيقى كمهنة وصفقة أبيع بها لتكون مصدر دخل لي أو لعائلتي, فأنا مهندس كمبيوتر ويمكنني العمل في مجالي بشكل طبيعي جداً دون الترويج المبتذل لنفسي ولنوع الموسيقى التي أعزفها فبالنسبة لي أُفضّل ترك الموسيقى على أن أتاجر بها. 

هنا إستوقفنا عند جملته والتي أصر على أن الموسيقى فكر وليست مجرد منتج تجاري أو سلعة معينة فيقول أنا هنا لأحمل غيثارتي بغية وصول الكلمة الصحيحة والمرجوة بل لإيصال فلسفة معينة تساهم برقي ذوق الشباب وأي مستمع ليبي. فأنا ضد إحتكار الفن بصورة محدودة لإغراض سياسية أو إجتماعية معينة والتي تقلل من مساحة اللعب والإبداع في صناعة الموسيقى, وللإسف هذا ما حدث ولازال يحدث في ليبيا فالكثيرين يحاولون التجارة بفن معين لإغراض توجيهية وسياسية لأن الفن هو الوسيلة الأولى الرادعة والمقاومة بسلمية في ظل تدهور الدول. 

خطاب عنيف 

غالباً ما يتعرض الكثيرين من عازفي موسيقى الروك والميتال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى إنتقادات لاذعة بسبب نوع الموسيقى الصاخب وغير المفهوم بالنسبة لهم وأيضاً لقوة التقديم الموسيقي والأداء الجماعي, كما أن الوضع في ليبيا لا يختلف كثيراً فالعديد من الموسيقيين الليبيين الشباب يتم مخاطبتهم بشكل مشكك في عقائدهم الدينية والفكرية. يعقب الكوت بأن هذا النوع من الخطاب دائماً ما نتعرض له خاصةً على السوشيال ميديا فالغالبية ما تحقر من قيمة فنان الروك بشكل ما أو بآخر إما حجة دينية أو بحجة العُرف الإجتماعي الذي لا يقبل هذا النوع من الموسيقى.

” الفنان بدون جواز سفر لا يمكن تصنيفه وفقاً لجنسيته أو دينه أو لونه, الفنان إنسان فقط ”  

يقول هاني أن الكثيرين ومن ضمنهم أنا يتم توجيه لنا عبارات وجمل مسيئة كـ أنتم عازفي الروك, أنتم عبدة شياطين!. وغيرها من العبارات المسيئة , وهذا للأسف يسبب لنا عزوف تدريجي عن تقديم موسيقانا بشكل كبير .

 

 

ليبيات في المهجر

اللاحرية والتقييد والمجتمع الأحادي, غالباً ما تكون هذه العوامل الرئيسية التي دفعت عدة نساء ليبيات إلى الهجرة بعيداً عن ليبيا , فطبيعة المجتمع الليبي الذي لا يسهل لهن الإستقلالية الفكرية أو الفنية تقف عائقاً يحول دون إستقراراهن في بلادهن .

ميثودولوجيا الهجرة

تقطن هناء أبوزيد, 35 عاماً وسط العاصمة الإكوداورية كيتو كإمرأة ليبية مستقلة بوظيفتها وفكرها وخياراتها المعيشية والشخصية, حيث بدأت هناء حديثاً حياتها كمهاجرة منذ مارس 2015 حينما قررت الهجرة من ليبيا والتوجه إلى ذاك البلد اللاتيني المُطل على المحيط الهادئ وكل هذا وسط مجموعة من التحديات والتجارب الشخصية نبدأ في سردها تباعاً .

هنا وسط عائلة إكوادورية يملئها الدفء والود وضمن ذلك المنزل الإكوادوري البسيط, تستأجر هناء مع هذه العائلة الفضاء الخاص بها والذي يعج بالكثير من مقتنياتها الشخصية وكتب تعليم اللغة الإنجليزية والإسبانية كلغات إضافية للغتها العربية الأم, فبعد العديد من التجارب والتي تشاركها هناء معي وبصوت جهور غاية في الثقة والفخر, تروي أنها بدأت مبكراً في السعي وراء أحلامها فكانت لا تخشى التجربة أو المعرفة أو فضول ما قبل المعرفة .

“ أنا أعتبر نفسي ذو خلفية عالمية “

هكذا بدأت هناء بتقديم نفسها لي, كليبية ولدت في دولة بنين غرب أفريقيا وعاشت في دول متعددة منها تركيا وإنجلترا والإكوادور وشاركت في العديد من الكارنفالات الثقافية والتي كانت لها دور في صُنع شخصيتها المتعددة فكرياً ومعرفياً, فبمجرد بزوغ حلم الهجرة بعيداً بدأت في التواصل مع العديد من الناس الذين لهم تجارب سفر للإكوادور , فعملوا على تشجيعها لخوض التجربة بكل ما فيها من إختلاف وصعوبات, وبعد مُضي أكثر من 15عاماً بين تجارب مهنية ودراسية في مجال تعلم وتعليم اللغة الإنجليزية في ليبيا, والعمل بالقسم الثقافي للسفارة الإميركية عام 2009, إضافة إلى تولي إدارة مكتب شركة Microsoft في ليبيا, و العمل ضمن شركة كامكو البترولية حاولت هناء البدء من نقطة الصفر والبحث عن عمل يضمن لها مصاريفها المعيشية في الأكوداور, فكان العائق الأول والأخير هو اللغة, حيث أن الإكوادور كدولة تعتمد على اللغة الإسبانية في كل معاملاتها الإدراية وإن كان في متجر صغير في الضاحية أو في مطعم بسيط هذا يفسر مدى صعوبة التعامل مع العملاء أو الباعة في أي مكان دون تعلمك للغة الإسبانية.

 

 

لما الإكوادور ؟ 

هناء : أنا أحب تعلم اللغات, وغالباً ما تجذبني اللغة الأسبانية بشكل كبير, و بمجرد ظهور تلك الرغبة في داخلي لتعلم هذه اللغة قررت تعلمها في بلد ناطق بها ومن هنا قررت إختيار الإكوادور لسهولة إجراءات سفرها للمواطنين الليبيين .

ورغم أن ليبيا والإكوداور بعيدان جغرافياً ودينياً وعرقياً كل البعد عن بعضهما البعض الإ أنهما يشتركان في خاصية الشعب المتماسك إجتماعياً والذي يعيش بموروثات وضوابط مجتمعية معينة . تقول هناء : الإكوادوريون لا يعيشون بطريقة منفتحة بشكل كبير مع الغرباء, فهم غالباً يفضلون التعامل أكثر مع من هم شبيهون بطباعهم وملامحهم المحلية, ولكن في المقابل لا أجدهم غير لطفاء أو غير ودودين .

حيث تحرص هناء على إبداء الإحترام والود للإكوادوريين وتحاول بأن تكون مواطناً أكوادورياً لا ضيفاً غريباً عنهم, فتشاركهم جلساتهم نهاية كل أسبوع وفي كل مناسبة إجتماعية أو وطنية, كما تضيف أيضاً بأن المشاركة الإجتماعية مع أناس مختلفين عنك هو إضافة عظيمة لحياتك و لخلفيتك الذهنية والثقافية  .

 

وبعد كل هذه التحديات الكبرى في الإندماج الوظيفي لدى هناء كونها إمرأة مستقلة عن عائلتها مادياً, فهي تنفق بمعزل عن العائلة وعن أي مصادر تمويل آخرى وهذا ما يجعل مسؤوليتها مُضاعفة إتجاه نفسها .  شاركت مؤخراً هناء في عمل فيلم قصير صامت  بإسم BAN BAN والذي يجسد طموح فتاة من الشرق الأوسط للهجرة إلى أمريكا بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحظر بعض الجنسيات ومنها الجنسية الليبية من الدخول إلى أمريكا, كما تم تصوير الفيلم في الإكوادور والذي حاز على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان ميلانو 2018 للإفلام القصيرة .

اليوم وبعد إجتياز هناء لإمتحان CELTA والذي يمنح ترخيص مزاولة مهنة تعليم اللغة الإنجليزية في العالم بدأت في شغل وظيفة المدرس لدى معهد كامبريدج -كيتو والذي يعتبر ذو مكانة مهنية وعالمية عالية ومعروفة .

أخيراً تقول هناء أنا جداً راضية عن حياتي وكل مررت به هو مجرد مطبات بسيطة تمكنت ولازلت قادرة على إجتيازها.

هنا مطار أتاتورك

ضمن قاعات وصول الركاب من مطار أتاتورك في أسطنبول وصلت أروى فرعون, 21 سنة على متن خطوط الأجنحة الليبية في الثامن من سبتمبر 2016 لتبدأ أولى ساعاتها في تركيا وحيدةً مع قرار الهجرة حاملة معها جواز سفرها الليبي وبضع من الدولارات التي قد تؤمن لها حياتها للفترة الوجيزة الأولى, ففي ظل الأوضاع المعيشية الهشة في ليبيا والتي حالت بينها وبين تحقيق طموحاتها الديناميكية على الأقل حسب قولها كـحرية ممارسة العمل المدني والتطوعي, حرية ممارسة العزف الموسيقي وكذلك الحرية الفردية في ممارسة الحياة الشخصية.

هنا في منطقة بشكتاش في الجزء الأوروبي من تركيا تعيش أروى حياتها بين تحديات كبرى واصفةً إياها بالفوضوية, فبين تحديات المواصلات للوصول يومياً إلى الجامعة ومقر العمل, تقضي أروى ساعات للذهاب والإياب من وإلى المنزل, كما أن تحدي اللغة التركية يعتبر بالنسبة لها من أعقد التحديات في بادئ مجيئها إلى تركيا, فلمسامع المغترب حساسية للغة الجديدة قد تكون إيجابية أحياناً وقد تكون سلبية أحياناً آخرى.

تقول أروى أن للغة التركية وقع هجين ومختلط في كثير من الأحيان فهي تمثل الكثير بالنسبة للشعب التركي وأنا بالمقابل أحترم هذه اللغة كعنصر فعّال في المجتمع الذي أنا فيه. اليوم أنا وصلت إلى مستوى جيد في تعلم اللغة وبدأ يسهل علىّ فهم أقراني والأشخاص من هم حولي الآن فهذا يمكنني من التواصل وفهم التراكيب المجتمعية التركية أكثر, أنا الآن طالبة إعلام مستجدة  إخترت الإعلام كمجال لطالما وددت دراسته أكاديمياً والعمل فيه بعد معاناتي المطولة مع هندسة العمارة في تركيا هنا – كون أن تخصص العمارة كان ليس برغبة شخصية مني فأنا كنت شبه مجبرة على دراسته – لأنه كان برغبة من والدي الذي حُلم بأن أكون معمارية.

ولكن الآن دراستي في الإعلام ساهمت بشكل كبير في حصولي على عمل ضمن مؤسسة MOP Media والتي هي تجربة ستكون إضافة جيدة لي .

“ تحدي الحصول على المال في أسطنبول تحدٍ كبير “

تواصل أروى ببحة صوت خافتة بأن المال هو من أعقد الأمور على أي مغترب, فطرق التحصل على وظيفة في ليبيا قد يكون سهلاً بسبب الواسطة وأحياناً العلاقات الإجتماعية المترابطة ولكن في تركيا الأمر يختلف كثيراً لأسباب مختلفة منها الإختلاف الثقافي والمنافسة الكبيرة في سوق العمل, أما الآن فأنا سعيدة بعملي وبكل ما أقوم به في حياتي فأنا أتممت حوالي سنة أتعلم العود في المعهد العربي للموسيقى في أسطنبول وهذا الأمر زاد من ثقتي بنفسي أكثر وعزز من قدراتي الفنية والعملية هنا.

اليوم تقول أروى وبأسف أنها لا تشتاق إلى الأقارب وكل الدوائر الإجتماعية التي كانت محيطة بها في ليبيا, هي فقط تشتاق إلى نشاطاتها والأماكن التي كانت في وقت ما تقضي فيها وقتاً مُريحا ومتجرداً من كل شيء في طرابلس.

 

 

رحلة التأشيرات المرفوضة

مابين القارتين يفصل محيط أطلنطي كبير, وما بين أفريقيا وأمريكا شغف بالهجرة عظيم ! هنا في لوس أنجلوس- أمريكا تعيش الفنانة التشكيلية ندى قليوان حياة الفن والإستقلالية والرؤى التعددية منذ ربيع 2010, وبعد رحلة مطولــة إجتازت فيها عدداً كبيراً لأبوابٍ مسدودة من سفارات العالم لغرض العبور بعيداً , فبعد طرق أبواب السفارة التركية والبريطانية وعدم تمكنها من الحصول على أي من تأشيراتيهما , بدأت ندى في رحلة البحث عن التأشيرات الآخرى, فتلتها بالسويدية والتي لم تتحصل على المال الكافي لإتمام إجراءاتها, كما هو الحال أيضاً بالنسبة للكندية والتي في المقابل ُطلب منها إجراء المقابلة في فرنسا للتأكد من أهليتها للموافقة على طلب الهجرة فحال ذلك دون الوصول إلى مُبتغاها.

 

 

فبعد كل هذه المحاولات إستطاعت ندى من التقديم على التاشيرة الأميركية كطالبة والحصول عليها, حيث تقول بـأن

“ الهجرة كانت حلم بالنسبة لي لأني دائماً ما أشعر بأني غريبة داخل وطني “

وبعد جُملة من التضحيات والعمل على بيع العديد من أشياءها الخاصة و الثمينة تمكنت أخيراً ندى من الحصول على التأشيرة حيث وصفت حياتها السابقة في ليبيا بالرتيبة والمقيدة في كل شئ فالسفر بالنسبة لها كان شغفها الوحيد والعيش دون قيود فكرية أو فنية هو السبيل الأمثل للحياة المنشودة.

تحملت ندى مسير السفر نحو المجهول, فهي بين مطرقة تحقيق الذات وسندان مشاق الهجرة وبين هذا وذاك عملت ندى في العديد من المهن واصفةً بأن ( الغربة صعبة ) و هي تردد بأنها لا تخجل من قول أنها عملت كطباخة و نادلة أيضاً في مطعم مكسيكي كفترة لتضمن بها حياتها ومصروف يومها وأن تجارب معاناتها في العمل في الآونة الأولى هي تجارب تشاركها مع الجميع وهي غاية في الأهمية بالنسبة  لها لتدرك كم المسؤولية المرمي على عاتقها , إضافةً إلى ذلك عملت كجليسة أطفال Baby Sitter وموظفة حسابات و أيضاً في تدريس اللغة العربية في إحدى المدارس .

وبين كل هذه التجارب المؤقتة تقول ندى أن الحياة هنا في أمريكا رغم صعوبتها فهي على الأقل بيئة حاضنة وغير مقيدة, فأنا هنا أعيش كإنسان فقط دون الولوج إلى معرفة ديانتي أو بلدي أو أي معلومة خاصة بي, بالإضافة إلى أنني لم أواجه يوماً أي شكلٍ من أشكال العنصرية أو التمييز بل هناك العديد من أصدقائي إلى اليوم لا يعرفون من أين أتيت حتى !

تُضيف ندى بأنها تصبو إلى تمكين نفسها اليوم  ووضع بصمة حقيقية في تاريخ الفن داخل أمريكا وخارجها . فهي تنظم من فترة إلى آخرى  معارض فردية وجماعية , وآخرها كان في شهر مايو 2017 والذي كُرمت على خلفيته من مدينة لوس أنجلوس بشهادتين .  أيضاً تتطوع ندى في العديد من المتاحف الفنية والذي يكسبها خبرةً واسعةً في هذا المجال تساهم في إستقلالية إنتاجها الفني .

 

“دائماً ما يعتقد المجتمع أن المبادرة لابد أن تكون من رجل لا من إمرأة “

وها أنا اليوم أُبادر وأعمل وأتطوع وأسافر وأخوض التجارب بكافة مستوياتها, فالجميع له الحق في خوض التجربة بغض النظر عن جنسه.

 

 

الحجاب في ليبيا عادة أم عبادة

وفقاً لدراسة أجرتها مؤسسة البيرو في يناير 2018 والتي تمت بمشاركة 538 امرأة ليبية عن الحجاب في ليبيا, أجابت 83%من السيدات محل الدراسة بأنهن محجبات أي (446 امرأة), كما أجابت 17% منهن أي (92 امرأة) بأنهن غير محجبات.

 

كما تعددت الأسباب وراء إرتداء الحجاب لدى النساء الليبيات فكانت النسبة الأكبر بـ 56% كسبب رئيسي وهو الواجب الديني والفرض الإسلامي كونهن مُسلمات , في حين أجاب 26% منهن بأن الواجب الإجتماعي أو طبيعة المجتمع هي السبب الأول لنا في إرتداء الحجاب, أما 14% منهن أجابوا بأن الفرض العائلي أو إرغام الأسرة لهن هو السبب وراء ذلك, و 4% كأسباب أخرى تباينت بين أسباب أمنية والحماية الفردية من العنف اللفظي والجسدي.

 

 


 

أيضاً عندما سألنا النساء الليبيات ماذا يعني لكُن الحجاب ؟ أجابت 55% منهن بأنه لباس له قدسية خاصة ,  و 33% أجابوا بأنه مجرد عادة مجتمعية ,  أما 6% منهن أعتبروا الحجاب مجرد قطعة ملابس عادية كغيرها من الملابس اليومية, وأخيراً 7% كانت لأسباب اخرى تفاوتت ما بين لباس يناسب الموضة العصرية وآخريات أجابوا بأنه قرار شخصي لا يعني أي  شئ .

في حين  كان الإنعكاس الإيجابي للحجاب على النساء المشاركات في الدراسات بنسبة 48% أي ( 260 امرأة ) وسلبي بنسبة 19% ( 98 امرأة ) وأجابت نسبة 33% ( 180 امرأة ) منهن بعدم معرفة مدى الإنعكاس الإيجابي أو السلبي للحجاب عليهن.

بين الحجاب والسفور

تتأثر العديد من النساء في العالم الإسلامي بالتجارب المحيطة بها والعوامل المتوفرة التي تهيئ لها بيئة مناسبة لإرتداء الحجاب من عدمه, حيث أن ليبيا كدولة متوسطية تأخد الطابع الديني في كافة المسالك الحياتية لمواطنيها, والذي يعتبر كعامل أساسي يعكس بشكل مباشر تطور وإنتشار الحجاب في ليبيا في المدن والحواضر والأرياف, وكذلك بين كل الأطياف الإجتماعية .

تقول أ. فاطمة غندور – ماجستير في علم الأنثروبولوجيا وأخصائية سيسيولوجية  بأن الحجاب هو ما يحجب عنّا الآخر, أي أن المصطلح له دلالة مادية ومعنوية في ذات الوقت, وبالنظر إلى الأرشيف الليبي نجد أن الحجاب يمتد لأكثر من قرن في ليبيا ولكن كان على هيئة لباس تقليدي ( الردي والفراشية), وفي مجتمع بطريركي أي يحتكم للسلطة الأبوية أو الهيمنة الأسرية فإن الحجاب لاقى قبولاً إجتماعياً واسعاً وبدأ بالإنتشار بهذه الكيفية وهذا النحو لإن الإعتقاد السائد آنذاك هو حجب المرأة عن الأعين وعن الجميع, سواء أثناء الحركة والتنقل بين الأماكن أو في حرية الملبس والكساء, أيضاً في خمسينيات القرن الماضي وبداية تحرر المرأة في مجالات العلم والمعرفة والبحث عن العمل والإستقلالية الجزئية كان من شواهد ذاك العصر فك الحجاب في مناسباتٍ وأوقاتٍ معينة وأثناء السفر أو الترحال خارج ليبيا, كما كان هناك مفهوم الإحتفاظ بغطاءٍ جداً صغير أو قصير على الرأس بما يعرف بـ( الملابس الإفرنجية) والذي لا يؤدي فيها الحجاب بهذه الطريقة صفة الحجب الكامل بل كان مجرد رمزية معنوية لا أكثر .

  في السابق لم يكن سؤال السفور والحجاب رائجاً بشكل كبير كما الآن 

تواصل أ.غندور أنه لم ينشغل المجتمع بذات المفهوم والتفسيرات السابقة والحث على الحجاب فحسب,بل تجاوزت في فترة نهاية الثمانينات هذا الحد وأصبحت النسوة ينشغلن بدروس مدى إرتباط الحجاب بالواعز الديني والأخلاقي, ومحاولة ربط أن المحجبة هي المحترمة وأن غير المحجبة توضع عليها إشارات إستفهام تخص أخلاقها وتصرفاتها .

أما الآن ومع ظهور التيارات الإسلامية وداعش تم إعادة النظر بشكل كبير في مفهوم الحجاب, حيث أصبحت هناك أسئلة تطرح ليست على السوشيال ميديا فقط بل في قلب مؤسسات دينية ومراكز دراسات إسلامية كبرى وهذا الأمر جداً إيجابي.

الحجاب ثقة بالنفس 

قد تمر بعض النساء بحالة من التردد أثناء أخدهن لقرار إرتداء الحجاب ولكن في المقابل هناك العديد منهن على يقين بأن قرار الحجاب هو القرار الصائب والذي يمنحهن السكينة والثقة بالنفس.

هنــا تقول زينب القبائلي, 22 سنة خريجة كلية الإقتصاد والعلوم السياسية, عضو في المركز الطلابي لجامعة طرابلس ,أن يمكن للحجاب أن يحد من التحرش الجسدي سواء في الجامعات أو المؤسسات التعليمية وكذلك الشارع ولكن في كثير من الأحيان لا يحد من التحرش اللفظي للأسف, فضلاً عن أن إرتداء الحجاب لابد أن يكون منبثقاً من قناعة شخصية مستقلة بدون ممارسة أي ضغوطات من قبل الأهل أو العائلة وهذا ما يترجم اليوم إرتداء العديد من النساء للحجاب بطريقة غير صحيحة .

تضيف زينب بأن تجربتها مع الحجاب في بادئ الأمر كانت سيئة ولم تحبذه, ولكن مع نضوجها الفكري أصبحت ترى أن للحجاب قدسية مميزة ورقي من نوع خاص للسيدات المسلمات, وأن إرتداءها للحجاب أضاف لها الكثير من السعادة والإرتياح في حياتها.

حيث لا تشجع زينب إرتداء الحجاب فقط لتقليد زميلات الدراسة أو العمل أو لمجرد نظرة المجتمع الحادة, كما لا تشجع أن يتم فرضه أو منعه داخل المؤسسات التعليمية بل هو قناعة فردية لاتحتكم لأي مؤثرات خارجية ومجتمعية ولكن في المقابل تنصح أن تتدبر النساء ما الغاية من وجوب إرتداء الحجاب.

   الدين ليس فقط إرتداء الحجاب 

 

 

سيكولوجيا الحجاب

في هذه الجزئية تطرح نورا الجربي , 30 سنة وهي مؤسس لمجلة O+  أفكارها تُجاه الحجاب فتقول أن الحجاب بالنسبة لي هو عبارة عن قطعة قماش عادية كغيرها من قطع الملابس الآخرى ولا يوجد أي إختلاف بينها , فالحجاب حسب رؤيتي الخاصة ليس معياراً لأي شي ولا يؤدي أي وظيفة أخلاقية ولا يمكننا إعتباره كمقياس للعفة أو الحشمة لدى المرأة , فليس من الموضوعي أن نضع أحكام أخلاقية معينة عن طريق غطاء موضوع فوق الرأس.

تصف نورا تجربتها بإرتداء الحجاب على أنها بائسة , فقد فٌرض عليها إرتداءه من قبل إخوتها الذكور عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة بنغازي متحججين بأن إرتداءها للحجاب في هذا الوقت بالذات حرصاً وتفادياً منهم لأي مشاكل قد تحصل مع الميليشيات المتطرفة والمنتشرة داخل المدينة فلم يكن إرتدائها له برغبة شخصية أو قرار فردي ومستقل.

كما تقول أن عنصر التقيد في الحركة و محدودية لغة الجسد والكلام تساهم سيكولوجياً علينا كنساء بمجرد إرتداء الحجاب, وليست  التأثيرات السيكولوجية وحدها بل هناك أيضاً تأثيرات فسيولوجية مهمة.

 التأثير الفسيولوجي خطير جداً

وهو حرمان حتى الشعر من أشعة الشمس  

فيما تستطرد الجربي قائلة بأن إحساس الرجل بالغيرة إتجاه زوجته أو أخته أو أي مرأة له سلطة عليها هو سبب رئيسي من أسباب لجوء السيدات لإرتداء الحجاب في ليبيا , حيث وصفت بأن حب التملك لديه يجعله يفرض هذا النوع لتكون هي ملكية خاصة له.

 

 

مسائل التحرش المحجوبة

تُلفت جداً إنتباهي أعين الرجال التي تحدق في النساء المحجبات وخاصة المنقبات منهن سواء في سوق الخضار أو عند خروجي بالسيارة, أنهم يرون تلك المرأة لغز محير يثير فضولهم لمعرفته والتعمق فيه.

هنا إسترسلت أ.فاطمة غندور في قولها بأنه ليس من العدل أن يكون للمنقبة حق برؤية من يقف أمامها بينما في المقابل هو أو هي لا يتساوى معها في هذا الحق . كما أن حجب النساء بقطع قماشية بحجة الحفاظ عليهن من التحرش بكافة أنواعه هو حجة باطلة, فاليوم التحرش يطال المحجبة وغير المحجبة, كما أن ظواهر مُخلة كالمعاكسات والعنف اللفظي لا يتوقف من قبل الطرف المتحرش (الذكر) لمجرد وجود الحجاب.

بالإضافة إلى أن وجود الحجاب هو رد فعل عن وجود التحرش أو غرائز شهوانية هذا أمر ليس بمنطقي, فمن قام بفعل التحرش وتسبب فيه وجب له توجيه عقوبة له, وليس بتسليط عقوبة على الضحية أو الطرف المتحرش به .

حيث يروج العديد من رجال الدين والدعاة أن المرأة المحجبة لا يمارس عليها اي عنف أو أذى, كما يحاول أيضاً الإعلام التابع لمؤسسات إسلامية ودعوية خاصة أن تبين أن النساء المحجبات هن رموز للعفة والحشمة, وهذا لا يستثني ذلك سواء مرأة محجبة أو غير محجبة, فجميعنا نرتكب الأخطاء.

 

القناعة بالحجاب وتبدل المفاهيم

سارة الهادي, 32 سنة, بكالوريوس طب وجراحة وطبيب عام MD من بنغازي وهي مقيمة في أمريكا, تقول سارة كانت لي تجربة مع الحجاب في بادئها كانت مليئة بالبهجة كوني فتاة تشبه أقرانها وكل صديقاتها, فأرتديته في عمر السابعة عشر متأثرة بمحاضرات وبرامج الداعية عمرو خالد وقتها, وكمحاولات عديدة مني للتقرب إلى الله حاولت إرتداء الحجاب أيضاً, ولكن مع مرور الوقت شعرت بأني غير سعيدة تماماً ولم استطع حتى مشاركة هذا الشعور إتجاه الحجاب مع صديقاتي.

تواصل سارة تساؤلاتها مع مرور كل هذه السنوات لماذا أرتدي الحجاب وهو لا يمثلني؟

فبعد تعمقي في تفاسير القرآن ومحاضرات الداعية عمرو خالد والذي أقنعنا بأن الحجاب وُجد للتفريق بين المرأة الحرة والمرأة العبدة, وصلت إلى قناعة ثابتة ومستقرة بأنني لا أريد تغطية شعري للفوز بالجنة.

وأخيراً وبعد مُضي 12سنة تمكنت من خلعه, ولكن في المقابل إزدادت وتيرة الضغوطات من المجتمع لأنني أعلم جيداً أن رد فعل المجتمع لا يكون إيجابياً حينما تقرر المرأة خلع الحجاب.

كما تقول سارة بأن التأثير العام للحجاب على المرأة هو الشعور بالتقيد وإخفاء نفسك عن الجميع, فأنا كـ سارة شعرت جداً بالإرتياح لمجرد خلعي للحجاب حتى في حياتي الشخصية والمهنية, بالإضافة إلى أن السيدات اللاتي يوهمن أنفسهن بالشعور بالرضى عند وضعهن لـ الإشارب هن فعلياً مقيدات ولا يشعرن بالإرتياح على الإطلاق, بل يتسألن في كل مرة لماذا نضعه خاصة في أوقات الصيف وشدة سخونة الطقس التي من المنطقي فيها أن نرتدي ملابس خفيفة تقلل من وطأة الحرارة.

الحركة النسوية في ليبيا .. نضال نسوي مستمر

وفقاً للتراجم المُعدة من قاموس أكسفورد الانجليزي فإن الشخصية النسوية هي تلك الداعمة أو المٌناصرة لحق المساواة بين الجنسين. بينما تذهب بعض التعريفات الأخرى إلي أن إختلاف المفهوم النسوي أو العمل النسوي النشط يعتمد على ديموغرافيا البلد والبيئة النسوية فيها إضافة إلى نوع الإضطهاد المٌمارس ضدها. فمثلا ً أنشطة الحركات النسوية في أفغانستان لن تكون مثيلةً  لإنشطة الحركات النسوية في النرويج. فمطالب الأولى تختلف تماماً عن مطالب الثانية من حيث (الأولويات, الوسائل والأدوات, طبيعة الحملات التوعوية … إلخ).

سكيتشات نسوية 

 

ناضلت المرأة الليبية على مرّ عقود لنيل حقوقها في المجتمع, حيث إختلفت هذه المطالب من البيئة المدنية إلى البيئة الصحراوية والجبلية فكانت المطالب متساوية لحق التعليم والعمل سواء في الوظائف الحكومية أو مجالات الفلاحة والصناعة. حيث بدأت النضال المعرفي السيدة حميدة طرخان المعروفة بــ “حميدة العنيزي“ بتأسيس جمعية “النهضة النسوية“ عام 1954, حيث كانت أول جمعية نسوية مقرها في بنغازي تطالب بحق النساء في تقلد مناصب سيادية وعلمية ٌعليا, وتباعاً لنضال السيدة حميدة في مجال النسوية كانت لها أيضاً نشاطات موسعة في ريادة الأعمال الصغرى كتمرير المعارف في مجالات الحياكة والصناعات اليدوية.

وفي عام 1961 واصلت السيدة خديجة عبدالقادر تنمية عمل جمعية النهضة النسوية في طرابلس من خلال أعمالها الريادية ونشاطاتها التوعوية, حيث شهدت الفترة الممتدة مابين سنة 1957 حتى 1965 أكثر نقاط التحول في تاريخ النسوية والعمل النسائي المنفرد والجماعي في ليبيا, كما باشرت في ذات الفترة أول مذيعة برامج ليبية السيدة “عائدة الكبتي“ من خلال برامجها التي تقدم مضموناً ناضجاً وتوعوياً للمواطنة الليبية .

ومن خلال هذا فقد أفاد السيد “محمد زاقوب” صحفي متقاعد من العهد الملكي من مدينة بنغازي أن وضع النساء من خلال التحرر الفكري والوظيفي كان في أبهى صوره أثناء فترة الخمسينات والستينات قبيل سنة 1969 .

 

“الحركات النسوية هي من الحركات النضالية التي كانت تتطلع إلى التحرر والحرية كغيرها من الحركات”

يُضيف سيد زاقوب من خلال معاصرته لتلك الفترة أن التأثير النسوي كان حقيقياً سواء في الدولة أو المجتمع ككل, ورغم بداياته وندرته في تلك الفترة إلا أن وجوده كان حقيقياً وقوياً .

وأن العطاءات النسوية إستمرت وأندمجت العديد من ا نظمات النسوية لتشكيل الإتحاد النسائي الليبي عام 1965 , والذي كان نتاجاً طالبات نسوية متتالية بتشكيله والعمل على قضايا المرأة بشكل رسمي ومستقل. حيث شكلت الدوافع الجندرية الإحساس بالمسؤولية إتجاه بيداغوجية الإدماج والعمل بشكل موازِِِ للرجل .

ولم تتوقف هنا بل واصلت الجمعيات النسائية في تشكيل كيانات إجتماعية وحقوقية خاصة بها فساهمت في تحقيق قانون المساواة في العمل مع الرجل سنة 1970 بدقة ساعات العمل والمؤهلات وكذلك الأجور الممنوحة, أيضاً تأسست في نفس الفترة أول أكاديمية عسكرية نسائية يمنح فيها النساء حق التدريب والإنخراط داخل المؤسسات العسكرية كوحدات الجيش والشرطة والعمل جنباً إلى جنب مع الرجل دون التقليل من قدراتهن الجسدية والبدنية في واجبها للدفاع عن وطنها. في المقابل كان لها دور حقوقي وتوعوي جهور بحيث ساهمت في قانون حظر زواج القاصرات اللاتي هن أقل من 18 سنة, والذي يصبح زواجهن غير قانوني بموجب قانون رقم 17 لسنة 1992, أيضا ساهم الحراك النسوي المكون من أمهات وزوجات المعتقلين السياسين أثناء حكم القذافي سنة 2006 في معرفة مصير المعتقليين في تلك الفترة داخل السجون السياسية.

لا تنحصر النسوية للنساء أو الفتيات فقط, بل هناك أيضاً العديد من الرجال الذين يساندون حق المرأة في الخيارات الشخصية و الإجتماعية, بالإضافة إلى حقوقها المدنية و السياسية. وضمن هذه المساحة قامت “البيرو “ بإستطلاع لمجموعات شبابية نسوية  لخلق مساحة تعبير مشتركة عن الحركات النسوية في ليبيا مؤخراً.

“ظهور الحركة النسوية في ليبيا كان إنعكاساً للإضطهاد والعنف التراكمي“

فيمينستا توك 

 

تقول فاطمة العُمراني وهي إحدى مؤسسات حركة النساء الأمازيغيات TWM سنة 2015 بأن هناك فرق واضح بين الحركة النسوية كجسم أو كمطالب نسوية في الميادين وبين الحركة النسوية كفكر يُتبنى بشكل فردي, حيث أن المطالب النسوية ضمن مجموعات تُنادي فقط بمناصرة نسوية, بل تبحث عن حلفاء ومناصرين من كلا الجنسين, فالرجال هم أيضاً معنيون بدعم ومناصرة المرأة في كل المجالات.

أما المنهجية الفكرية أو الفكر الفردي للنسوية في ليبيا يختلف تماماً عن غيره في دول آخرى, وهذا ما يجعل أحياناً الفكر النسوي لربما مشتت إلى الأن في ليبيا و يرتكز على قاعدة ثابتة. تُضيف فاطمة أن الإضطهاد الذي يُمارس على المرأة الليبية في السابق لم يتوقف, بل مازال متواصلا ً إلى اليوم حيث تواجه العديد من السيدات مخاوف المشاركة السياسية والمنع من التعليم والعمل أو حتى نيل حقوقها في التصرف في جسدها الذي يعتبر ملكاً خاصاً بها.

تستطرد أيضاً بأن ليبيا جزء من منظومة عالمية وأن الحركة النسوية فيها تتأثر بالحراك النسوي العالمي, وأن المرأة الليبية قبل خمسينيات القرن الماضي يحق لها الممارسة السياسية بشكل حقيقي, فلولا الحراك النسوي المحلي في الداخل الذي تأثر بالحراك النسوي العالمي لمطالبتهن المتكررة في صنع القرار لما كان وجود المرأة الحالي في العديد من المناصب السيادية والقيادية العليا.

 

 

” لاأرشفة حقيقية للعمل النسوي في ليبيا, وهذه فعليا كارثة “

 

تعبر فاطمة بإستياء أن الأرشفة تغيب في ليبيا في كل المجالات مابالك بالعمل والحراك النسوي, فمثلا ً شخصيات كخديجة الجهمي ومرضية النعاس من أوائل النسويات اللاتي ساهمن بشكل كبير في تأسيس الإتحاد النسائي في ليبيا, وساهموا في إثراء العمل الإعلامي و الأدب النسوي لا تؤرشف أعمالهم بشكل حقيقي سواء عن طريق مناهج التعليم أو التسويق لهن كشخصيات نسوية ُمناضلة أو عن طريق ورش العمل اليوم.

كما تذهب الإعلامية سناء المنصوري بقولها

 

 

“ليس هناك حركة نسوية حقيقية في ليبيا سواء في السابق أو في الوقت الحالي”

فأغلب الحركات النسوية  مُولت سابقاً عن طريق دار الإفتاء والأزهر لأغراض فكرية وإيديولوجية, أما الحركة النسوية الحقيقية والوحيدة التي كانت إبان سن القذافي لقانون منع المرأة من السفر بمفردها بعد حادثة مقتل سيدة ليبية في حانة في القاهرة, فأرتفعت أصوات النساء منددة آنذاك بإلغاء هذا القانون كونه إجحاف في حق العديد من النساء اللاتي يسافرن لغرض الدراسة والعمل وتحقيق ذواتهن الشخصية.

 

تُضيف المنصوري أن الحراك النسوي الممول من قبل جهات دينية أو ذو إيديولوجية توجيهية هذا سيجعل الأمر أسوء بكثير مما هو عليه, مثلما حصل في أواخر الثمانينات وحتى وقتنا الحالي دخول الحركات الإسلامية المتطرفة كالإخوان المسلمين والحركات الوهابية التي جعلت من المرأة محدودة المهام والقرارات, على عكس الفترة الممتدة مابين ستينيات القرن الماضي حتى بداية الثمانينات حيث كانت المرأة الليبية أكثر إستقلالية وإختلاطاً بالمجتمع.

حيث ترى سناء أن النسوية تبدأ من البيت بمعاملة الأطفال من كلا الجنسين بمساواة وعدل دون تفضيل جنس على الآخر بحجج مجتمعية  والتعامل مع الجميع في الشارع والعمل لابد ان يكون بمساواة أو عدم تحيز لجنس على الآخر.

 

وبنظرة شبابية فسرت خريجة البرنامج التبادل الطُلابي في أمريكا MEPI رهام عون بأن الحراك النسوي اليوم يواجه  عدة مفاهيم خاطئة في تحجيم قدرات المرأة بالقيام بالعديد من الأعمال, وأنها تدعو إلى الحكم على جدارة العمل والمؤهلات لا على العنصر الإجتماعي, فعلى سبيل المثال وداد الساقزلي وزعيمة الباروني والعديد من الليبيات في السابق قُمن بتحدي هذه المفاهيم الخاطئة وأن المرأة الليبية قادرة على تحقيق الإنجازات خارج المنزل .

كما تقول رهام أن التغيير الذي ينجم عن الحراك النسوي في ليبيا بطئ جداً ولكن لامفر منه, وأنا بدوري كشابة ليبية على أن أنجز عملي على أكمل وجه والمساهمة في تشجيع أعمال النساء الآخريات.

حيث إستطاعت أن تترأس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة-الدورة 59 بجنيف وهي المندوبة الدائمة لليبيا لدى الأمم المتحدة .

 

الـتـبـو .. مواطـنون خارج النـص

لا تحاول النظر إلى الفسيفساء الليبية مرة واحدة فقط وتكتفي بذلك , بل عليك التمعن أكثر فأكثر لتعلم أن الأعراق والخلفيات الثقافية في ليبيا هي مزيج ضخم لانهائي من التنوع , بل أن الطبيعة المحيطة بالبشر على أرض متوسطية أفريقية ساعدت في تعزيز هذا الإرث الثقافي والإثنولوجي.

بطاقة تعريفيــة تباوية

يستوطن حوالــي أكثر من 55 ألف مواطناً تباوياً في الجزء الجنوبي من ليبيا وعلى إمتداد الأطراف الشرقية من تشاد وصولاً إلى النيجر حتى السودان, حيث تتناسق الشعوب التباوية كشعوب رُعاة وشبه رحل للبحث عن مواطن العيش والأمان في هذه المنطقة. كما تتعدد المدن الليبية التي يستوطن فيها شعوب التبــو ما بين مناطق جنوبية شرقية حدودية و غير حدودية كــ ) القطرون, مرزق,  الكفرة , ربيانة, سبها يهراء , مسكودة, مدروسة, كوموزو, تجرهي, زلاء ,نغركنمي ).

تأتي تسمية “تبو“ من كلمة تِحنو التي أطلقتها الشعوب المجاورة لهم من الجانب المصري, كما يطلق عليهم في المقابل أيضاً تسمية قُرعان التي ترجع أصل تسميتها إلى القرن الثامن الميلادي لــ كلمة “قوران“, والتي تعتبر مناطقهم في العصور السابقة كأهم قنوات نقل البضائع و من أكثر المناطق التي يمر من خلالها المسافرين والرحالة الأجانب. كما يُعد التبو من أقدم شعوب المنطقة الصحراوية الأفريقية والذي يرجع تواجدهم فيها لأكثر من.  30 ألف سنة من خلال آخر الحفريات والأحجار الأمازونيات التي وجدت منحوتة على جبال تبيستي  والمنطقة الجنوبية الشرقية من الصحراء الليبية, كما يعتبر التبو من الشعوب التي عرفت الإسلام متأخراً دون غيره من الأديان المحلية التي سادت سابقاً ما بين الشعوب الأفريقية الراحلة , حيث بات الإسلام المتصوف والزاهد اليوم هو السائد اليوم بينهم.

ماما سوغا تتحدث عن الهوية التباوية !

في مقابلة مع السيدة التباوية سوغا , رئيس لجنة التراث والمقتنيات الشعبية بمركز الدراسات التباوية والتي تحدتث فيها عن قوة الفلكلور التباوي على سيسيولوجيات ليبيا سابقاً حتى وقتنا الحالي.

حياة قبائل التبو غنية بالعادات والتقاليد الأصيلة التي وجدت منذ أقدم العصور، وهذا ما أكده هيرودوت حين قال أن اليونانيون نقلوا بعض عادتهم عن الليبيين، ومازالت آثار هذه العادات منذ عصر لوحات الكهوف إلى يومنا هذا 

تُعد المخلفات الأثرية التي كشف عنها من قبل علماء الأثار خير دليل على أن ليبيا كانت على اتصال وثيق بأعظم الحضارات القديمة وعند دراسة هذه العادات المنقولة عن الأجداد جيلاً بعد جيل نجد أن بعضها أصيل وجد منذ أقدم العصور ومنها ما هو دخيل من بقايا الحضارات القديمة المجاورة وبعضها له صلة بالديانات التي تواجدت على أرضها وأعتنقها الليبيون على مر العصور.

 

وتواصل السيدة سوغا بــ أن الأزياء الشعبية على اختلاف أنواعها , قد شملها التطور كما حدث لغيرها من مظاهر الحياة الأخرى , سواء في البادية أو في المدن والأرياف فبعد أن كانت بسيطة في خدماتها ونسيجها وإعدادها وحتى في شكلها وألوانها , أصبحت تصنع من أقمشة غالية الثمن وتطريزات معقدة طالتها يد الصانع الماهر بالتهذيب والتزويق والتأنق وما إلى ذلك من الزخارف والإتقان .

كذلك الآلآت الموسيقية والمنسوجات التى تعبر عن مدى الاستفادة من القارة الافريقية وجسور التواصل بيننا وبين القارة السمراء فتجد للوهلة الاولى بأنه يوجد اختلاف بالعادات والتقاليد ولكن عندما نركز على التراث والموروث الثقافى نجد بأن العادات والتقاليد والتراث لا يختلف ويوجد تشابه كبيرا بين التبو وسكان القارة السمراء ولكن تختلف اللهجات فقط .

يحتفل التباويون بيوم الثقافة التباوية الذي يُصادف الــ 15من سبتمبر كل عام, والذي يرتدون فيه كل انواع الأزياء الخاصة من لباس شعبي أو اللباس التقليدي القديم في ليبيا الذي تنوع فيه أشكاله وألوانه , حيث أن بعض هذه الألبسة خاص للكبار وبعضها خاص بالأطفال , والبعض الآخر يتفرد بإرتداءه الشباب من الجنسين كل على حدى , كما أن هناك أزياء خاصة بكل فصل من فصول السنة وأزياء للعمل, وأخرى للمناسبات الإجتماعية والأعياد والمواسم .

 

وجب علينا الحفاظ على هذا الموروث الغني بالتنوع والزخِم بالتاريخ           

تبولوجيات تدغا

تتألف اللغة التباوية من 32 حرفاً , يكون معظمها ذو مخارج صوتية متنوعة ,  حيث يستخدمها سكان التبو القاطنين في ثمان أقاليم إفريقية , حيث تكتب اللغة التباوية بالحروف اللاتينية كغيرها من لغات العالم كالتركية, الاندونسية, الألمانية … إلخ. حيث تكمن الإختلافات الضمنية مابين اللغة التباوية والعربية في صوامت وصوائت اللغتين , حيث تكون صوائت التباوية  (أي علامتها) أكثر كماً وتنوعاً من العربية , في حين أن العربية لها ثلات مدود وثلات علامات تكون التباوية في المقابل ذو إثنى عشرة مداً وعلامة.

وتتفرع إلى لهجتين أساسيتين هما :

1- تيداغا، وهي اللهجة التي يتحدث بها “تودا” سكان الجنوب الليبي وجبال تيبستي وواحات شمال شرق النيجر وحوض أيِر؛

2- دازاغا، وهي لهجة “دازاغادا” سكان إينيدي وبُركو وبَطحة وكانُم ومانقا وأيِر.

كما تعتبر التباوية إحدى أهم اللغات النيلية الصحراوية البارزة والتي تعد إحدى أهم أدوات التواصل بين بنو العمومة التباويون في الصحراء , وهي العلامة الفارقة والوحيدة التي تجمع سكان التبو رغم إختلاف حدودهم الجغرافية وديموغرافيتهم المنتشرة .

 

 اللغة التباوية في مفترق طرق  

يحاول العديد من اللغويون تحوير حروف اللغة التباوية من اللاتينية إلى العربية بحجة أن اللغة التباوية هي الأقرب للمناطق التي يقطنها المتحدثين باللغة العربية عما سواءهم من الأفارقة وسكان الصحراء , وهذا الأمر حسب مؤرخي ومدوني اللغات النيلية الصحراوية يكون صعباً ويتنافى مع أساسيات اللغات ومبادئها الأولى , بالإضافة إلى أن الوثائق والمخطوطات التباوية القديمة كُتبت بالحروف اللاتينية دون غيرها  .حيث  واجهت اللغة العديد من التحديات منها محاولات التعريب القسري التي حاولت الحكومات السابقة لليبيا تمكنيها وإستبدال العديد من الأيقونات التباوية المعروفة بمسميات آخرى غير أصيلة خاصة كبلدة أربدن ودموراء التي عربت إلى البيضان , أيضاً بلدة موشاوا التي يطلق عليها اليوم “ القليب “ .

نوتات موسيقى تباوية مثيرة

 هامـﻲ ﻫﻮ ﻓﻦ ﺷﻌﺮي – ﻏﻨﺎﺋﻲ، ﺗﻤﺎﺭﺳﻪ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻟﻤﺪﺡ ﺍﻷﻗﺎﺭب ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﺧﺮ ﺑﺎﻷﻧﺴﺎب ﻭﺍﻷﺻﻞ ﻭﺫﻛﺮ ﺑﻄﻮﻻﺗﻬﻢ ، ﻭذم ﺍﻟﺨﺼﻮم ، ﻭﻳﻤﺎﺭﺱ ﻓﻲ مـﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﻛﺄﻋﺮﺍس ﺍﻟﺰﻭﺍج ﺃﻭ ﺍﻟﺨﺘﺎن ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﺣﻴﺚ 
تتراص ﻧﺴﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ “ﻫﺎﻣﻲ ” ،ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﺩﺍﺋﺮة، ﺗﺘﻮﻟﻲ ﻓﻴﻪ 
ﺇﺣﺪﺍﻫﻦ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﻭﺍﺿﻌﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻮﺿﻊ مايسترو ﺍﻹﻳﻘﺎﻉ, أما البقية 
 يقمن ﺑﺎﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺗﺮﺩﻳﺪ ﻣﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ
، وﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﺎﺣﺒﻪ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴﺎً ﺧﺮﻭﺝ ﻟﺒﻌﺾ ﻋﻨﺎﺻﺮ
ﺍاﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ , ﻭﻓﻲ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺇﻟﻲ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﻭﻳﻘﻤﻦ ﺑﺎﻟﻘﻔﺰ
ﻭوﺍﻟﺪﻭﺭﺍﻥ ﺣﻮﻝ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﻣﻊ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺭﻧﺎﻧﺔ ﺗﺸﺒﻪ ﺍﻟﺰﻏﺎﺭﻳﺪ،
ﻳﺼﺎﺣﺒﻬﺎ ﺳﺮﻋﺔ ﻓﻲ ﻭﺗﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﺇﻟﻲ ﺃﻥ ﺗﻌﺪﻥ ﺇﻟﻲ
ﻣﻜﺎﻧﻬﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻲ ﻧﺴﻖ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ، ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﺮﺏ ﺍﻟﺴﺎﻣﻌﻴﻦ
ﻭﺍﻟﻤﺘﻔﺮﺟﻴﻦ.

 شالا ﻭﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻦ ﺷﻌﺮﻱ ﻏﻨﺎﺋﻲ ﺗﺨﺘﺺ ﻓﻴﻪ ﻛﺒﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﺴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ, ﻭﻳُـﺘﻐﻨﻲ ﺑﺎﻟشالاﻠﻲ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺴﻌﻴﺪﺓ.

 النقارة ﻫﻲ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﻄﺒﻮﻝ يُضرب ﻧﻘﺮﺍً ﻟﻴﺼﺪﺭ ﺍﻳﻘﺎﻋﺎﺕ ﺻﺎﺧﺒﺔ ﺭﻧﺎﻧﺔ, ﻭﻫﻮ ﺗﻘﻠﻴﺪ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﻹﺳﺘﻘﻄﺎﺏ ﺇﻧﺘﺒﺎﻩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﻹﺧﺒﺎﺭﻫﻢ ﺑﺄﻣﺮ ﻫﺎﻡ، ﺃﻭ ﻟﻼﻳﻌﺎﺯ ﺑﺎﻹﺳﺘﻌﺪﺍﺩ ﻟﻠﺤﺮﺏ ﺃﻭ ﻣﺎ ﺷﺎﺑﻪ.

 

علامات تباوية فارقة

السعي وراء الحقوق المدنية والدستورية أمر يشابه النضالات الوطنية والمقاومات الشعبوية حول العالم وفي كثير من الدول التي تقطن فيها الأقليات العرقية والدينية , حيث يًعاني سكان التبو في ليبيا ليومنا هذا من تدنئ الحرية المدنية وممارسة الحياة السياسية في المناطق الجنوبية , بالإضافة إلى نقصان الحقوق الفردية التي تخص المواطن التباوي كحقه في إستخراج بطاقة الهوية الليبية , الترجمة الفورية الخاصة بالمتهمين في المحاكم الليبية , وتراخيص لمزاولة الأعمال التجارية . يأتي هذا ضمن جملة من القرارات التعسفية التي طالتهم إسوة بغيرهم من الأمازيغ والطوارق في تعمد لوئد الثقافات الحية الأصيلة داخل المجتمعات المختلطة , ودعم الهوية الأحادية دون غيرها .. فوفقاً لهذا الجدول الزمني والذي يوضح القوانين والقرارات منذ سنة 1984 حتى 2014 مدى محاولات الأنظمة والحكومات المتعاقبة على ليبيا طمسها والحد من شأنها :

 

محطات قانونية

 

 نحن لا نتسول حقوقنا 

 

في مقابلة مع عضو الهيئة التاسيسية لصياغة الدستور والناشط الحقوقي . أ. خالد وهلي يسرد لنا في هذه المقابلة أهم المحطات التي مر بها التبو من خلال رؤيته القانونية والحقوقية.

يقول سيد وهلي أن بعد رفض الأغلبية في لجنة صياغة الدستور لمبدأ التوافق الذي نص عليه الإعلان الدستوري , وتجاهلهم للغات الأصيلة فإن التبو لن يتخلو عن كفاحهم في العمل على إسئصال حقوقهم , فنحن لا نطالب بمنحة أو هبة فــ “ التبو مواطنون ليبيون كغيرهم “ . ولن نقبل بأن نكون مواطنوا درجة تانية كما كنا سابقاً في زمن التهميش والإقصاء . كما أن الذي نطالب به نحن التباويون اليوم ليس بجديد , فقد طُبقت هذه المطالب في السابق في العديد من دول العالم والدول المجاورة والتي إعترفت بحقوق الأقليات من السكان الأصليين .

حيث يواصل السيد وهلي بقوله : أن التبو واجهوا تحديات عديدة بدايةً من عهد القذافي وصولاً إلى ما بعد ثورة فبراير , والتي كانت ولازالت لا تخلو من التشكيك الدائم في جنسية وإنتماء التبو في ليبيا , ناهيك عن المطالبات المتتالية من جهات رسمية بسحب الجنسية الليبية منهم ..

نحن نطالب بأن يُقر الدستور أن ليبيا هي بلد متعدد الثقافات والأعراق

الألغام في بنغازي .. ” الموت الخفي”

في طريقنا لـ حي الصابري وسوق الحوت في بنغازي, هنا الرغبة في العودة للبيوت و الحنين إلى الأحياء , هنا الموت المفاجئ والحقيقة المخفية, هنا بيوت محاطة بألغام و مدفونة دون أكفان, هنا شوارع مطوقة بالرهبة والخوف والفزع, هنا الصابري وسوق الحوت.

 بعد حرب دامت لأكثر من ثلاث سنوات في مدينة بنغازي شرقي البلاد كان ضحاياها “أهالي المدينة” ما بين نازحين من الحرب, وبين فارين من الألغام المزروعة داخل بيوتهم, وبين هذا وذاك تبقى عودة السكان هي العملية الأصعب التي يواجهها جهاز الهندسة العسكرية المسؤول عن كشف وتفكيك تلك الألغام .

ألغام موصدة

لم تتوقف الألغام في بنغازي عند حصد الأرواح وهدم المنازل فقط, بل امتدت إلى التقليل من فرص العيش ومزاولة الحياة الطبيعية والمدنية  للذين هم على قيد الحياة أيضاً, حيث طالت الألغام أطراف العديد من الشباب و أجزاء من أجسادهم أيضاً أثناء قيامهم بعملهم.

هنا قصة محمود الفرجاني, شاب عشريني, يعمل كمتطوع ضمن أفراد الهندسة العسكرية للكشف عن الألغام في بنغازي والذي أصبح ضحية لها مؤخراً .

أصيب محمود في محور الصابري عند قيامه بعمله وتأدية واجبه تُجاه وطنه ومدينته, حيث انفجر أحد هذه الألغام أثناء فكه لمجموعة منها والتي قدرت بـ 8 ألغام في منزل واحد فقط لأحد المدنيين.

يقول محمود أن الأدوات التي أستخدمها لفك هذه الألغام هي عبارة عن أدوات بدائية مثل المفك والسكين وغيرها بسبب النقص الحاد في الأجهزة الكاشفة عن نوع الألغام TNT.  ورغم هذه الأدوات البسيطة نناضل كل يوم للقيام بواجبنا وتسهيل عودة الاهالي النازحة إلى مناطقهم وبيوتهم.

اليوم يعيش محمود كغيره من ضحايا الألغام معاناة حقيقية في مواصلة عمله والمُضي نحو حياته الطبيعية كشاب يطمح للعيش والعمل والدراسة كباقي أقرانه. بعد أن فقد محمود كلتا قدميه, أصبح يُعاني مرارة الحياة مُقعداً على كرسي متحرك يتجول به بين الزقاق والأحياء ليتذكر ما قام به مع فريقه, وما لم يتمكن من القيام به جراء إصابته.

إمكانيات محدودة

رُغم الجهود التي يبذلها أفراد جهاز الهندسة العسكرية في بنغازي للعمل جدياً على فك الألغام الموصدة داخل البيوت والأحياء, يعاني الجهاز من نقص في الإمكانيات والمُعدات اللازمة التي تساعدهم على حصر المناطق المفخخة, والعمل سريعاً على كشفها.

ومن خلال حديثه لنا يؤكد رئيس عُرفاء وحدة صنف الهندسة العسكرية  ”جمال محمد الرّملي” مدى التحديات التي تواجههم في عملية كشف الألغام داخل احياء الصابري, سيدي فرج, بوعطني والقوارشة. حيث قال بأن هذه الألغام تتباين في حدتها وخطورتها وأنواعها من حيث تأثيراتها السلبية على المباني والبيوت بصفة عامة والأفراد بصفة خاصة.

ومن بين أخطر المناطق التي زرعت فيها الألغام هي منطقة القوارشة حيث  شارع الشجر والمستشفى الأوروبي ( المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة ) والذي وُجد فيه أخطر أنواع الألغام المعروفة بـ ” مساطر اللوح والكبسون ” وهي عبارة عن ألغام لها القدرة على تحمل الظروف المناخية ودرجات الحرارة بالإضافة للماء, حيث يبلغ وزنها حوالي 6 كيلو جرامات.

يضيف الرملي بأن أفراد جهاز الهندسة العسكرية الأكثر تضرراً من خلال كشفهم على الألغام يدوياً ودون أي وسائل أو أدوات للحماية الجسدية.

زراعة الألغام في المنازل هي حرب صريحة ضد المدنيين 

إذ يؤكد الرملي أن الجماعات التي كانت تتمركز داخل الأحياء السكنية قامت بتفخيخ المنازل قبل إنسحابها من تلك الاحياء السكنية.

ويتابع الرملي حديثه قائلاً بأن لا نتائج لزيارات لجان الأمم المتحدة على الأرض رغم معاينتهم لمواقع زرع الألغام, مطالباُ الجهات المعنية في الدولة والمنظمات الدولية بتحمل المسؤولية وتوفير هذه المعدات في أسرع وقت ممكن من أجل التصدي لجحيم هذه الألغام التي تهدد عودة الحياة لبعض الأحياء السكنية في مدينة بنغازي.
مؤكداً على أن الإمكانيات المتاحة اليوم هي إمكانيات يدوية بسيطة قد تساهم في إطالة مدة إزالة هذه الألغام لمدة تزيد عن السنتين.

ألغام و أرقام

بعد إنتهاء الحرب في المدينة أصبح من الواضح حجم الدمار الذي لحق بالمنازل, خاصة داخل الأحياء السكنية التي استمرت فيها الحرب حتى أيامها الأخيرة مثل الصابري وسوق الحوت.
معظم اهالي هذه المناطق هم نازحون وتقدر اعدادهم ب18 الف اسرة حسب سجلات لجنة الازمة بالمدنية.

البعض تمكن من العودة رغم الظروف السيئة جدا التي تعاني منها تلك المناطق من إنعدام توفر أهم مكونات الحياة الاساسية مثل الكهرباء والماء. و البعض الأخر كانت محاولاتهم مأسوية حيث قُتل العديد من المدنيين نتيجة الالغام ومخلفات الحرب اثناء دخولهم لمنازلهم.

لم يتم الإعلان عن احصائيات رسمية باعداد الضحايا, ولكن توكد تقارير صحفية أن 105من المدنيين كانو ضحايا الألغام ومخلفات الحرب في الصابري وسوق الحوت فقط, من بينهم عمال اجانب.

و وفقاً ِلإحصائيات وأرقام فريق عمل الهندسة العسكرية في بنغازي يؤكد مندوب صنف الهندسة العسكرية  عبد السلام المسماري أن َمناطق بنينا, سَيدي فرج, بُوعطني, الّليثي تم تأمينها بالكامل من الألغام ومخلفات الحرب وتتم عودة أهالي هذه المناطق بطريقة سلسة وهادئة تدريجياً, بينما منطقة القوارشة و قَتفوذة فقد  تم تمشيط 50 % منها ومنطقة الصابري فقد تم تمشيط ما يقارب الـ 30 % منها, فيما تتناقص النسبة في منطقة سوق الحوت إلى 15%.

 

تطبيق”بلّغ”

مع ارتفاع عدد ضحايا الألغام,  بَادرت شركة تطوير للأبحاث وبِالتعاون مع شركتي فنون لِلتصميم و سديم للتقنية بإطلاق تطبيق “بلّغ” على الهواتف الذكية, والذي يُساهم في حماية المدنيين من أي أجسام مشبوهة أو مخلفات الحرب.
وذلك بتصوير أي جسم يشتبه في أن يكون لغما، أو قابلا للانفجار في مدينة بنغازي من قبل المدنيين، ويحدد التطبيق أماكن وجود الأجسام التي يتم الإبلاغ عنها بتقنية نظام تحديد المواقع العالمي (gps)، على الهواتف الذكية التي تعمل بنظام تشغيل أندرويد، ليتم إرساله للجهات المختصة “الهندسة العسكرية” التي تتلقى معلومات موقع الجسم والبيانات والتفاصيل بشأنه، لتتعامل مع البلاغات حسب الأولوية، ومدى الخطورة التي يحددها الجسم والموقع.

ويقول محمد الغزال المدير التنفيذي لشركة سديم للتقنية بأن إطلاق تطبيق “بلّغ” هو من ضمن الشراكات الاجتماعية التي تسعى إليها الثَلات شركات في تطوير أعمالهم ومنتجاتهم. كما يسهل التطبيق التواصل بين صنف الهندسة العسكرية والأهالي حتى يتسنى لهم الرجوع بأسرع وقت ممكن.

 

زواج الليبيات من الأجانب ثقافات متبادلة

يُعد الزواج أحد أهم  وسائل التواصل بين الشعوب , ووصلة حقيقية للتبادل الثقافي والإجتماعي بينهم, بالإضافة الى إن الزواج المختلط بين الأعراق والجنسيات والجذور هو دافع للمعارف وتقوية العلاقات البشرية والأنثروبولوجية.

كما أن الزيجات المختلطة لها تأثير قوي في تنوع التراكيب المُجتمعية والنسلية, وهذا التأثير يترك سفارات متعددة داخل ذات الشخص, لتجعل منه سفيراً متعدداً وممثلاً لثقافات وبيئات مختلفة.

ومن خلال هذا البورتريه الكتابي نود تسليط الضوء على قصص سيدات عشرينيات من ليبيا تزوجن من أجانب, حيث نصور هنا زاوية رمادية في مجتمعنا,  لا نعلم الى اليوم ما الأسباب وراء الرفض وعدم القبول بهن وبأبنائهن ؟

 

إستفهام عنصري

تمتزج القضايا المدنية بإمتزاج بورتريه قديم يؤكد أن شعوب الأرض هم خليط مُعقد, ولكن لم تقف يوماً الأعراق أو الجنسيات عائقاً بين أي شريكين, حيث تطالب ملاك بمنح الجنسية الليبية لأبناءها بل ولزوجها أيضاً.

ملاك طبيبة ليبية, تزوجت من رجل سوري وُلد وترعرع في ليبيا, درس في مدارسها وجلس على أرصفة شوارعها وعاش مع الليبيين جنباً الى جنب في ظروف السلم والحرب التي مرت بها البلاد. واليوم ملاك تسرد لنا قصتها والصعوبات التي تواجهها كونها ليبية متزوجة من أجنبي حيث شكلت لها هذه الصعوبات تأثيرات سلبية تعيق حرية حركتها وتنقلها من ليبيا الى البلاد المجاورة رفقة عائلتها

تعيش ملاك اليوم في طرابلس وتواجه أشد الظروف مع عائلتها في محاولة جدية منها الى التأقلم مُجتمعياً وقانونياً ورغم كل هذا القانون الليبي لا يقف الى صفها على حد تعبيرها. حيث أنها تفكر في كل لحظة في ابنها الذي لا يحظى بأي حقوق سياسية أو اجتماعية في ليبيا سواء في الوقت الحالي أو حتى على مدى المستقبل القريب البعيد, فليس من السهل على ملاك توفير الاحتياجات العاطفية والمادية وكذلك البيئة المُجتمعية الحاضنة.

 أيضاً  مدى صعوبة إجراءات الإقامة والسفر خارج البلاد في ظل إحتياج أسرتها لتأشيرات عبور للبلدان  المجاورة  كونهم مواطنين غير ليبيين.

تضيف ملاك  أن الحياة في ليبيا بالنسبة للأجانب تزداد صعوبة في قطاع العمل بالأخص. حيث أن القطاع العام يفضل توظيف المواطن الليبي عن المواطن الأجنبي رغم وجود الكفاءة “ وهذا الأمر يتعارض مع أسس التوظيف العام في كافة دول العالم.

حيث ان زوجها تقدم للعديد من الوظائف الشاغرة في طرابلس ولكن أرباب العمل غالباً ما يواجهوه بالرفض وعدم القبول كون أن العوائق الوظيفية للأجنبي ستكون بنسبة أعلى من توظيف المواطن المحلي.

وفي إطار الدراسة تواجه أيضاً كأي ليبية متزوجة من أجنبي مشاكل حقيقية في إجراءات التسجيل المدرسي لابنها الوحيد والذي سيعامل كأجنبي رغم ولادته و ولادة أبيه في ليبيا ورغم كل هذا لازالت عائلة ملاك تعامل بكل عنصرية مُجتمعية على أنهم عائلة أجنبية وغريبة عن ليبيا.

ويبقى السؤال الذي تكتبه ملاك يومياً في مذكراتها “إلى متى” ؟ 

إلى متى سيبقى ابني أجنبياً في بلد منحها كل الحُب والود والإنتماء ؟

 

 

حدود جغرافية وعوائق مُجتمعية

لم تقف الحدود الجغرافية كجدار حاجز بين طرفي زواجها , بل كانت خريطة الكرة الأرضية مُجتمعة في دولة واحدة في قصة فاطمة الشريف“.

تعيش فاطمة ذي الأربع والعشرين ربيعاً مع زوجها في مدينة “نوردراين ڤيستفالن الألمانية, لأب ليبي وأم  مغربيةدرست القانون لفترة قصيرة متأثرة بالتخصص العائلي الذي يشغله أغلب أفراد عائلتها, ومن ثم رجعت الى دراسة الطب كخيار شخصي لها.

غادرت الشريف ليبيا في سنة 2010 الي ألمانيا في رحلة أستمرت معها ليومنا هذاوالتي كُللت بزواجها من الألماني مارتن حيث  حضيت معه بفرصة خلق عائلة جديدة بثقافة مختلطة وجذور متجانسة.

 

ومن هنا بدأت تجربة فاطمة والتي كانت
مليئة بالنضالات الفردية لــعدم القبول العائلي من جهة الأم والأخ لها
, ورغم التشجيع الذي لاقته فاطمة من أبيها والذي حفزها للمُضي بحرية في إختيار شريكها ورفيق حياتها ومع ذلك  ترى عائلتها ان هذه التجربة ليست محلاً للإعجاب أو الدعم بل وليست قابلة حتى للطرح أو إستجلاب الأراء.

وكما جرت عليه العادة أن مُناصرة الزواج المختلط دراسياً أو من خلال العمل المدني هو أمر يكاد يكون معدوماً داخل المجتمع, ورغم هذا تحاول فاطمة من خلال صفحتها الشخصية على موقع فيسبوك وسناب شات التوعية للسيدات المتزوجات من أجانب داخل ليبيا أو خارجها للمطالبة بحقوقها وحقوق أسرتها , والعمل على التوعية المُجتمعية لتقبل هذه التجارب كتجارب تُضيف للمجتمع لا تنتقص منه.

وفي ذات هذا الوقت الذي لا تعتبر فيه فاطمة  زوجها الألماني أجنبياً هناك من يعتبرون المتزوجات من أجانب هن حيوانات سيرك للفرجة فقط”  على حد تعبيرها. أي لا يمكن إتباعهن أو العمل بما أقدمن عليه على محمل الجدية

وتقول الشريف أن التحديات المُجتمعية والأسرية كبيرة جداً أمام السيدات الليبيات اللاتي يقدمن على الزواج المختلط, فيتم مقابلتهن بالرفض وإنهاء علاقاتهن الإجتماعية بعائلاتهن, والكثيرات تعرضن للسب والشتم على إثر ذلك كونهن “خارجات عن العُرف”  حتى السيدات اللاتي تزوجن من عرب ومسلمين.

حيث تكون ردود أفعال عائلات هؤلاء السيدات دائماً تهجمية ودون توضيح لأسباب منطقية , حيث وصفت فاطمة أن بعض العائلات تعتبر الى يومنا هذا الزواج بغير ليبي هو “عار” على المجتمع.

ومن  هذا المنطلق تقول أن لا وجود لبشر بهوية أحادية, جميعنا مختلطون عرقياً ودينياً, حتى القبائل البدائية الأولى حول العالم لازالت تحمل موروثات أسلافها المتعددين.

قرار شجاع

أسماء خليفة, 28 سنة, باحثة وطالبة ماجستير في مجال السلم والنزاع. درست أسماء في تركيا وبرزت في العمل المدني داخل وخارج ليبيا, وتعرفت على زوجها النرويجي من خلال دراستهما المشتركة في ذات المجال.

لم تستطع “أسماء” تصنيف علاقتها في بادئ الأمر ولكن تركت مسافة لنفسها وأتبعت إستراتيجية وصفتها بــ  ( الذكية).
حيث سمحت لوالدتها بالتعرف عليــه والتحدث معه دون معرفة طبيعة علاقتهما وهذه الإستراتيجية ساهمت بشكل كبير في إقناعها ومعرفة مدى جدية علاقتهما.

في بداية الأمر ترددت أسماء في طرح فكرة الزواج على عائلتها بالكامل, وبعد تردد طويل جرت الأمور بطريقة سلسة وحاولت إعلام المُقربين من عائلتها فقط وتركت باقي المُهمة لوالدتها على حد تعبيرها.

أسماء تقول نحن الإثنان جداً متناسقان من حيث الإعتقادات والأفكار ولا أرى بأنه “أجنبي” رغم الخلفيات الثقافية الشاسعة بين بلدينا ولكن هذا ساعدنا كثيراً في تخطي العديد من الحواجز والعراقيل الإجتماعية.

أضافت أيضاً رغم عدم إعتراف الدولة الليبية بزواجي فإن هذه التحديات كانت سبيلاً لنجاح علاقتي مع زوجي, و اليوم نحن في السويد تحت مظلة قوانين الاتحاد الأوروبي الذي يدعمنا ويحمي حقوقنا على عكس القانون الليبي الذي لن يمنح الجنسية لزوجي أو لأبنائي مستقبلاً وأيضاً القانون النرويجي الذي يقيد حرية حركتي وعودتي الى ليبيا للعمل لذلك نحن نعيش هنا في السويد.

 

 

 

“كلنــا ننتمي للإنسانية ولا فروقات بيننا”

تصف أسماء القوانين الوطنية لبعض الدول على أنها بيروقراطية وقديمة الطراز ولا تتماشى مع الحياة المدنية اليوم. كما وجهت رسالة للسيدات الليبيات اللاتي أقدمن على الزواج من أجانب أو اللاتي سيقدمن على ذلك بأن لا يسمحن للمجتمع بأن يختار نيابة عنهن أو يحد من خياراتهن.

 

لا وجود لطفرات المجتمع هنا

لا حياة شخصية هنا, حياتك الشخصية هي رهن للمجتمع إما أن يكون الرهان سهل السداد. بالتالي يمكن التأقلم معه أو يصعب سداده فيصبح عقبة في وجهك ووجه عائلتك, هذا ما سترويه لنا أماني في قصتها مع زوجها الألماني.

 

 “سأصف تجربتي بأنها ناجحة وناجحة جداً”  

هكذا تقول أماني الطالبة الليبية المُبتعثة في ألمانيا و التي تعيش تجربة ناجحة مع زوجها و فشلت في إقناع عائلتها وكسب دعمهم لها في ذات الوقت.

تعرفت أماني على زوجها أثناء دراستها في ألمانيا, والتي وجدت فيه حسن الطباع والقبول بشخصيتها وطبيعة بيئتها, بل وتقاربت الحياة بينهما حتى في اللسان الناطق بالعربية والديانة الإسلامية.

وبمجرد تيقن أماني بالرفض من قبل أهلها حاولت التكتم على حقيقة علاقتها معه ولكن ما إن أحست بوجوب مُصارحة الأهل والعمل جدياً على إقناعهم. لأن ما تؤمن به أماني جيداً ان ما تقوم به ليس بالأمر المُخالف قانونياً.  ورغم إقتناع والدتها بزواجها ومحاولة دعمهاً من وقت لآخر ولكن طال الرفض والدها وأختها واللذان شجبا فعلها بحجة جلب العار للعائلة.

ومن هنا أصبحت أماني تواجه العديد من المشاكل مع أسرتها والتي لم تستطع التواصل معهم بشكل جيد نتيجة للضغط الذي يقع على عاتقها جراء زواجها بأجنبي. حيث ان هذا الضغط ساهم بشكل سلبي على حياتها والذي على إثره لم تتمكن من محاولة الإنجاب خيفة أي رد فعل سلبي من عائلتها.

أماني اليوم تطالب بوجوب توعية الأجيال الحالية والقادمة بضرورة تقبل الآخرين بإختلافاتهم العرقية والأصولية, بالإضافة للنهوض بــ العمل المدرسي والجامعي على هذا الشأن الذي سيساهم برفع التوعية للإفراد والمجتمعات.

 

نهايات قانونية ثابتة

 

رغم خشبية القانون الليبي في تناوله لمنح الجنسية وحقوق المواطنة لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب, ولكن هذا لا ينفي أن القانون الليبي وفقاً للمادة 11 من القانون 24 والتي تنص على
يجوز منح الجنسية الليبية لأبناء الليبيات المتزوجات من غير ليبيين وفقاً للضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية من هذه المادة.

في حديث للمحامية والمستشارة القانونية خديجة البوعيشيبخصوص هذا الموضوع أكدت البوعيشي بأن اللائحة رقم 594 لسنة 2010 وضعت الضوابط اللازمة لتنفيذ المادة وجعلت موضوع منح الجنسية جوازاً لا إلزاماً لهم. حيث ميزت بين الأبناء القاصرين والبالغين لليبية المتزوجة من أجنبي.

في ذات اللائحة أجازت للأم بتقديم المستنذات المطلوبة لمنح أبناءها الجنسية بينما الراشدين فتمنح لهم الجنسية بعد طلبها شخصياً ونيل موافقة الوالدين بالخصوص.أما فيما يخص الإلتزامات المادية والرسوم المدرسية فيعتبر القانون الليبي أن أبناء الليبية المتزوجة من أجنبي هم أجانبفلا يحق لهم التمتع بمجانية التعليم والرعاية الصحية وكذلك حق المواطنة والمشاركة السياسية, وفي المقابل يعفيهم القانون من أداء الواجبات العامة كأدا ء الخدمة العسكرية مثلاً .

وفي إشارة مهمة أيضاً لحماية حق المراة الليبية المتزوجة من أجنبي في ميراث
ها لزوجها , فقد أشارت البوعيشي الى أن القانون الليبي لا يسمح للأجانب بتملك العقارات والأراضي أيضاً الإ لغاية إستثمارية بشرط شراكته مع أسهم ليبية أو رأس مال ليبي, ومن هنا يمكن للزوجة إسترداد قيمة هذه الأسهم نصيب الزوج من هذه الشركة وفقاً لمشروعيتها القانونية .

كما أضافت الى أن منظمة حقي للنساء الحقوقيات في ليبيا تسعى الى رفع الوعي المُجتمعي بحملات تطالب بمنح الجنسية وحقوق المواطنة لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب كالحملــة التي أطلقت مارس الماضي جنسية أمي جنسيتي“ للمطالبة برفع القيود التي تخص منح الجنسية وفقاً للمطالبة بحق المساواة المكفول قانونياً فالمواطنون والمواطنات متساوون أمام القانون  وفي القانون, وهذا يتنافى مع عدم منح الجنسية لأبناءهن وفقاً لهذه القاعدة القانونية التي تعارض التمييز بين الجنسين في ليبيا.