”مريم ابراهيم” .. الوجه الأخر لمفهوم التبني في ليبيا

أواخر خريف 2016 كانت نقطة التحول الأكبر في حياة “مريم إبراهيم” (اسم مستعار) و التي كانت تبلغ من العمر حينها 17 ربيعاً,  بعد أن قامت بالتخطيط لمثل هذه الخطوة لعدة أشهر غادرت معبر رأس جدير بعد هربها من منزل العائلة التي تمكثُ معها بمنطقة سوق الجمعة في الضاحية الشرقية للعاصمة طرابلس. غادرت إلى تونس هرباً من العذاب الشديد حسب وصفها و الذي لحق بها من تلك العائلة التي تكفلت بتربيتها بعد وفاة أبويها بالتبني. هكذا كانت نقطة التحول في حياة هذه الفتاة لتجد نفسها وحيدة أمام تحدي يفوق طاقتها و إدراكها للحياة في بلدِِ غريبِِ عنها.

بدأت “مريم” حديثها لنا عن حياتها كفتاة مجهولة الأبوين وُلدت في عام 1999 لتجد نفسها داخل دار الأيتام بمنطقة أبوهريدة بمدينة طرابلس, قبل أن يقوم زوجين من منطقة سوق الجمعة بتبنيها عندما كانت تبلغ من العمر شهراً واحداً فقط.

لم أدرك أنني مجهولة الأبوين و أنني لست إبنتهم إلا بعد وفاتهم

هكذا وصفت مريم الفترة التي عاشتها رفقة أبويها بالتبني. فلم تكن تشعر طيلة فترة طفولتها بأنها مختلفة عن باقي أقرانها, ولم تكن تعلم بحقيقة تبنيها من دار الأيتام طيلة المدة التي عاشتها معهم. 

فبعد أن قضت طفولتها رفقة أبويها بالتبني سرعان ما بدأ حالها يتبدل بعد وفاة الأم في عام 2011 وتلاها الأب عام  2012. لتجد نفسها وحيدة مجدداً بعد أن قضت ثلاثة عشر عاماً من عمرها رفقتهم.
حيث تم إعلامها من قبل أقارب عائلتها بأنها ليست إبنتهم البيولوجية وإنما هي إبنة دار الأيتام, و ما هي إلا أيام قليلة حتى اجتمعت العائلة (أقارب والديها) من أجل تحديد مصيرها. حينها تم الإتفاق على أن تنتقل للعيش في منزل خالها بالتبني, وذلك لكونه الأقرب لمنزل والديها و عدم وجود إمكانية بأن تعيش بمفردها في منزل والدها الذي تركه لها.

 لم تكن تلك العائلة راضية عن انتقالها للعيش معهم, ولكن احساسهم بالمسؤولية الإجتماعية و خوفهم من نظرة بقية الأقارب لهم كان له تأثير كبير في قبولهم لها.

لم يكونوا مرحبين بأن أكون جزء من عائلتهم ولكن خوفهم

من نظرة بقية الأقارب أجبرهم على أن يتقبلوا وجودي بينهم

لم يكن هناك تبني قانوني ولا أي إجراءات تفيد نقل “مريم” إلى عائلتها الجديدة. فقد كانت في عمر صغير حينها فقط ثلاثة عشر عاماً ولم تدرك ماهي الإجراءات التي يجب إتباعها في مثل هذه الحالات. فبحسب السّجلات الموجودة لديها فهي لاتزال مُدرجة ضمن سجلات والديها المتوفين ولم يتم تبنيها بشكل قانوني من قبل العائلة الأخرى, هذا ما تسبب لها في بعض المشاكل لاحقاً خاصة عندما أرادت الحصول على الرقم الوطني أثناء دراستها في الشهادة الثانوية.

سنوات عجاف

قضيت أربعة سنوات معهم كانوا الأسوء في حياتي .. كانو يعاملونني

كخادمة لهم

 كانت تلك العائلة لا تخفي إستياها من وجود مريم بينهم, فمنذ الأيام الأولى لإنتقالها للعيش معهم كانت تُعامل على أنها خادمة في ذلك المنزل. لتجد نفسها كشخص منبوذ بينهم فلم تشعر يوماً بأنها جزء من العائلة, لم تكن تشاركهم جلساتهم العائلية أو عطلاتهم أو حتى الحديث العائلي الذي كان يجمعهم. كانت تُعامل طيلة تلك السنوات على أنها شخص دخيل فُرض عليهم بحكم الأعراف المجتمعية.

و بعد مرور حوالي سنتين من إنتقالها للعيش معهم قررت و للمرة الأولى عدم السكوت و إخبارهم بأنها لا ترغب في مواصلة العيش معهم. الأمر الذي لم يعيروه أي اهتمام ولم يبالي أحد منهم بما تقول. فما كان لمريم حينها الإ اللجوء إلى مسؤولة الخدمات الإجتماعية في مدرستها الكائنة بمنطقة سوق الجمعة (مدرسة أم المؤمنين) و إخبارها بما تعانيه مع العائلة التي تعيش معها. وبعد إصرارها في العديد من المرات تمكنت في أخر يوم دراسي لها أن تقنع الإخصائية الاجتماعية بمدرستها بإصطحاب موظفة من الشؤون الاجتماعية إلى منزلها من أجل التحقق من وضعها الأسري و إخراجها من تلك العائلة.

كنت أعتقد بأن وزارة الشؤون الاجتماعية سوف تساعدني و لكنهم

زادوا من حدة مشاكلي مع العائلة

تواصل “مريم” سرد تلك الحادثة لتخبرنا بما حدث في ذلك اليوم. عند وصولها إلى المنزل رفقة موظفة  الشؤون الاجتماعية كانت تتطلع إلى أن يكون هناك حل مناسب لها يساعدها على الخروج و إيجاد مكان ملائم لها يكفل لها حياة كريمة. ولكن النتيجة لم تكن حسب توقعاتها. حيث تمحور الحديث عن ما سوف يواجه مريم في حال عودتها إلى دار الأيتام وعن كل السلبيات و الممارسات التي يتعرضن لها الفتيات هناك.
و بمجرد مغادرة موظفة الشؤون الاجتماعية للمنزل تعرضت “مريم” للإعتداء الجسدي و اللفظي. فقد إعتبروا إحضارها لشخص غريب للمنزل تصرفاً غير مقبول و إن مثل هذه التصرفات إهانة لهم ولإسم عائلتهم. 

أنتِ بنت حرام, أنتِ لقيطة, أنتِ بنت شوارعإلخ

تقول “مريم” هذه هي الأوصاف التي كُنت أُنعت بها في ذلك اليوم من قبلهم إلى جانب الضرب الُمبرح الذي تعرضت له.

الهروب إلى تونس 

بعد إستمرار “مريم” لسنة أخرى على نفس المنوال الذي عاشته طيلة السنوات الثلاث الأخيرة و مع إقترابها من نهاية مشوار دراستها للمرحلة الثانوية, كان كل ما يشغل تفكيرها هو قاعات الدراسة الجامعية وكيف ستتمكن من مواصلة دراستها في ظل تلك الظروف.


الدراسة كانت المتنفس الوحيد لي وسط هذه العائلة

بالرغم من كل المعاناة التي كانت تتعرض لها من سوء في المعاملة أو الإعتداءات اللفظية و الجسدية. دائماً كانت “مريم” تلجأ إلى الدراسة و القراءة فهي تعتبر الكتب عالمها الخاص الذي ينسيها الحياة البائسة التي تعشها داخل ذلك المنزل.


الجامعة مكان مختلط وليس مكان مناسب للفتيات

بهذه العبارة وصفت لنا “مريم” رد العائلة عندما أخبرتهم أنها تريد التسجيل في الجامعة.
و بعد رفضهم أن تكمل دراستها الجامعية و تحديداً في سبتمبر 2016 قررت الهرب من تلك العائلة, لأنها كانت ترى في بقاءها معهم تدميراً للحياة التي تطمح لها مستقبلاً.

تمكنت بخلسة من توفير الأوراق المطلوبة لإستخراج جواز سفر وبمساعدة بعض أصدقاءها الذين لم تعرفهم إلا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي. تمكنت في وقت قصير من استخراج جواز سفر وجمع بعض الأموال من أجل السفر.غادرت ليبيا مُتجهة نحو تونس عبر معبر رأس إجدير الحدودي في منتصف أكتوبر 2016. فبعد هروبها من المنزل الذي تعيش به لم يكن لـها مكان أخر تلجأ إليه في ليبيا.

لم أضع مكان محدد لكي أذهب إليه, فقط أردت الخروج من الجحيم الذي عشته في ليبيا

بعد وصولها إلى تونس لم تكن تُدرك ما يجب عليها فعله فقد حاولت مراراً وتكراراً التواصل مع المنظمات الدولية التي تهتم بشؤون حقوق الإنسان في ليبيا و خاصة تلك المنظمات المهتمة بحقوق الأطفال بإعتبارها دون الثامنة عشر عاماً في ذلك الحين.

كانت تأمل أن تجد من يهتم بها ويوفر لها حياة تكفل حقها كـ إنسان ولد وحيداً بدون أبوين, و لكن كل المحاولات لم تكن مجدية فلم تُعر تلك المنظمات أي اهتمام لها ولم يقدموا لها أي مساعدة.

و بعد أشهر قليلة من ذهابها إلى تونس قررت “مريم” مواصلة حياتها و التوغل في المجتمع التونسي والبحث عن فرص عمل تناسبها. وبمساعدة بعض أصدقاءها تمكنت في وقت قصير من العمل في مركزِِ للإتصالات و الذي كان بالنسبة لها مجرد عمل بسيط من أجل توفير احتياجتها الأساسية في تونس كمصاريف السكن و الأكل.

في تونس أعمل من أجل العيش .. لم أتمكن من الحصول على فرصة لمواصلة دراستي و تحقيق حلمي ولكنني لازلت أحاول

و بعد مرور أكثر من عامين على مغادرتها لليبيا لا تزال “مريم” تعيش حياة غير مستقرة في تونس, ورغم كل التحديات المادية فهي تعتبر أن أكبر إنتصار لها هو نيلها لحريتها الشخصية والتي هي مكسب لن تستطيع تحقيقه مع تلك العائلة .

فوبيا الصحافة في ليبيا

طفرة إعلامية غير مسبوقة، هكذا يُوصف المشهد الإعلامي في ليبيا بعد التغيير الذي شهدته البلاد عام 2011, حين ظهرت الصحف المطبوعة في كل نقطة من ليبيا، و ولدت المحطات الإذاعية والتلفزيونية على اختلاف توجهاتها و اهتماماتها.
فقد نتج عن إسقاط نظام القذافي فضاء استطاع فيه الصحفيون الشباب و المؤسسات الإعلامية أن يعملوا في جوِِ من الحرية النسبية و البدء بتعلم مهنة التغطية الصحفية، غير أنه نتج عن هذا التغيير أيضاً فضاء استطاعت فيه الجماعات المسلحة من العمل بحرية و تعزيز نفوذها عبر العنف. وبهذا، أصبح الخطر الأكبر الذي يهدد الصحفيين يأتي اليوم من مجموعات مختلفة من الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق السيطرة المركزية و التي تعاقب الصحفيين الذين ترى أنهم يعملون ضد مصالحها.

و بعد مرور سبع سنوات, إنتقل الوضع الإعلامي و الصحفي في ليبيا من طفرة غير مسبوقة إلى أزمة غير مسبوقة في هذا المجال, فأصبحت ممارسة الصحافة مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل الصراع المحتدم على السلطة, مما أدى إلى تزايد حالات الانتهاكات ضد الصحفيين, حيث ينعم مرتكبي هذه الإنتهاكات من إفلات تام من العقاب وسط مناخ يدفع نحو إخلاء البلاد من صحفييها. و هذا ما تؤكده مؤشرات التقارير الدولية حول حرية الصحافة في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

تراجع مخيف ومصير مجهول

بالرغم من النقلة النوعية التي شهدتها الصحف في ليبيا, و الكم الهائل الذي بدأ بالصدور عن مؤسسات مستقلة عقب التغيير الحاصل في عام 2011. سرعان ماشهد قطاع الصحافة المكتوبة تراجعاََ, ليصل إلى أسوء أحواله خلال السنوات الأخيرة. إذ تؤكد لنا هيئة دعم و تشجيع الصحافة, وهي مؤسسة حكومية مسؤولة عن تسجيل و دعم الصحف و المجلات المطبوعة.
بحسب سجلات هذه الهيئة حتى بداية عام 2014, يوجد عدد 387 صحيفة و مجلة تم توثيق بيناتها في كشف المنظومة الصحفية لدى الهيئة. بينما تراجع العدد إلى 4 فقط مع بداية عام 2018, 3 صحف و مجلة واحدة.
 و يُرجع المسؤولين في الهيئة هذا التراجع إلى قلة الإمكانيات لديهم, مما يحول دون متابعتهم ودعمهم للصحف و المجلات المسجلة لديهم, كما أن الإنتهاكات التي تعرضت لها بعض تلك الصحف أو الصحفيين العاملين بها أدى إلى إغلاق العديد منها.

 


نزوح الصحافة

أصبح وجود صحافة حرة في البلاد مهدداً بالخطر, خاصة مع تزايد حالة نزوح الصحفيين من البلاد، الذين يفضلون الذهاب إلى المنفى لمواصلة عملهم الإعلامي, أو يختارون التوقف عن ممارسة هذه المهنة, التي أصبحت محفوفة بالمخاطر إلى حد مفرط. أما أولئك الذين يختارون البقاء، فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على التخندق في صف أحد الأطراف المتنازعة عسكرياً أو سياسياً.
ويبقى المنفى في الغالب هو السبيل الوحيد للصحفيين الليبيين, من أجل مواصل النشاط الإعلامي في ظل الإنتهاكات التي تُمارس ضد الصحفيين في ليبيا. 

فبحسب الأرقام و الإحصائيات التي تحصلنا عليها من قبل منظمة مراسلون بلا حدود. منذ عام 2014 اضطر 83 صحفي و صحفية إلى الفرار من ليبيا و ممارسة نشاطهم الصحفي من المنفى بسبب إنتهاكات تعرضوا لها في ليبيا. لا يزال 67 منهم في المنفى حتى اليوم. بينما 16 منهم عادو إلى ليبيا.

أما على صعيد المؤسسات الاعلامية, يُفضل القائمون على القنوات التلفزيونية أن تكون مقراتهم خارج ليبيا, لما يُمثله وجودها في الداخل من خطر حقيقي على إستمراريتهم في العمل. فبعد عدة حوادث إعتداء تعرضت لها مقرات أو مكاتب القنوات داخل ليبيا, اضطرت بعض القنوات للإغلاق نهائيا بعد تكرار الإعتداءات عليها, مثل قناة العاصمة و قناة الدولية, إذ تسببت الإعتداءات على هاتين القناتين لإغلاقهم بشكل نهائي. قناة النبأ أيضاً بعد أن كانت تبث من داخل العاصمة طرابلس, تم نقل استديوهات القناة إلى تركيا في العام 2017. وذلك بعد تكرار الإعتداءات على مقر القناة, والاستهداف المسلح ضدها في أكثر من مناسبة.
و تشهد ليبيا اليوم نزوحاً للمؤسسات الصحفية بشكل غير اعتيادي, إذ يصل عدد القنوات التلفزيونية التي تبث من خارج ليبيا مع بداية العام 2018, إلى 7 قوات تلفزيونية تبث من دول مختلفة, نتيجة لعدم وجود ضمانات أمنية أو بيئة عمل مناسبة لتلك القنوات.

صحفيون في المنفى

ثلاثُ تُهمِِ مثيرةُُ للضحك, هكذا يصف الصحفي عبد الوهاب العالم التُهم التي نُسبت إليه, عندما أقدمت مجموعة مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني حسب وصفه في مدينة طرابلس بإعتقاله في أواخر عام 2016. أثناء قيامه بإعداد تقرير صحفي عن نادي ”الغزالة“ للكتاب, داخل أروقة جامعة طرابلس ”ب“ (ناصر).
يقول عبد الوهاب أن مجموعة مسلحة قامت بإعتقاله من داخل الجامعة, في ذلك اليوم حيث قاموا بأخذه إلى أحد مراكزهم بالقرب من الجامعة, بدون وجود سبب واضح و منطقي يدفعهم لإعتقاله. 

 قاموا بالتحقيق معي لعدة ساعات قبل البدء في ضربي وتعذيبي

هكذا بدأت حكاية عبد الوهاب مع الإعتقال والذي استمر لمدة ثمانية أيام, يقول ”العالم“ لقد قاموا بأخذي من الجامعة و التحقيق معي لعدة ساعات, تم إستجوابي خلال تلك الساعات عن الجهات الإعلامية التي أعمل لها. كما قاموا بسؤالي عن أسماء بعض الصحفيين والنشطاء, و إستعراض بعض الأعمال السابقة لي, و توجيه التُهم عن كل حرف وكلمة قمت بكتابتها.
خاصة تلك المقالات و التقارير ذات الطابع الحقوقي والتي أحاول أن أبرز من خلالها الحقوق الثقافية التي تُسلط الضوء على منظمات المجتمع المدني في ليبيا.

يواصل عبد الوهاب حديثه عن هذه الحادثة ويقول, بعد كم هائل من الأسئلة الغريبة تم نقلي إلى مكان إحتجاز أخر, حيث تعرضت هناك لأبشع أنواع التعذيب. كانوا يضربونني بكل ماهو متاح لديهم, و يقومون بصعقي بالكهرباء. حيث تواصل تعذيبهم و ضربهم لي طيلة ثمانية أيام قضيتها هناك.

” الإلحاد , العمالة لجهات ماسونية , تخريب عقول الشباب“

هذه هي التُهم التي نُسبت لي أثناء فترة إحتجازي, لم أفهم كيف قاموا بإستنتاج كل هذا الهراء, ولكن ما أفهمه جيداً أن التطرق للقضايا الحقوقية و الحديث عن الأنشطة الثقافية في المجتمع, أمر يزعجهم جداً.

بعد ثمانية أيام قاموا بإطلاق سراحي, و لكنهم لم يتوقفوا في متابعتي و الاتصال بي بشكل متكرر لمدة 6 أشهر, و هي المدة التي قضيتها في ليبيا قبل مغادرتي. خلال هذه المدة تركت العمل الصحفي خوفا على سلامتي, كما أن المؤسسة الاعلامية التي كنت أعمل لها, طلبت مني التوقف خوفاً من أن تتم ملاحقة زملائي الأخرين. 

بعد 6 أشهر قضيتها بعيدا عن أي نشاط صحفي, غادرت ليبيا متجهاً إلى تونس, و التي كانت الخيار الوحيد المتوفر أمامي من أجل الاستمرار في العمل الصحفي. كانت لي رغبة كبيرة في العودة للعمل في مجال الصحافة, خاصة بعد كل تلك المدة التي قضيتها بعد اعتقالي دون ممارسة أي نشاط صحفي.
واجهت بعض الصعوبات في البداية غالبا كانت صعوبات مادية, ولكن تمكنت من العودة للعمل مجدداً, إذ تمكنت من الحصول على عمل هنا في تونس لدى مؤسسة إعلامية ليبية, كما عاودت الكتابة ونشر المقالات الصحفية كما في السابق.

كان هذا السبيل الوحيد من أجل العودة لممارسة العمل الصحفي

الخروج من ليبيا كان الخيار الوحيد أمامي من أجل العودة لحياتي في المجال الصحفي, بالرغم من أنني تلقيت عدة اتصالات من نفس الجهة التي قامت بإعتقالي في ليبيا, فقد كانوا يسألونني عن ماذا أعمل الأن ولماذا خرجت من لبييا وغيرها من الأسئلة. كانت محاولة منهم لممارسة الرقابة والضغط النفسي, وإيصال بعض الرسائل التي مفادها أنهم يستطيعون الوصول لي حتى وإن كنت في تونس.في البداية كنت حذراً قليلاً, ولكن مع مرور الوقت أيقنت أنني يجب أن لا أكترث لهم, و أن أواصل عملي بكل حرية و هذا بالفعل ماقمت به وهذا ما أنا عليه الأن.
أرى أن قراري بمواصلة العمل في هذا المجال, لا يجب أن يكون محدوداً أو مقيداً بخطوطِِ حمراء, فالصحفي مسؤول عن ما يقوم بنشره للناس. لذا أتخذت قرار مواصلة العمل من خارج ليبيا, فلا يمكن مواصلة العمل من الداخل في ظل وجود خطوط حمراء تقيد العمل الصحفي. 

صحفي مع وقف التنفيذ !

لقد دفعت عمليات الإختطاف والقتل والإعتقال القسري بالصحفيين إلى توخي الحذر أثناء التغطيات الصحفية. فالعديد من الصحفيين في ليبيا, يواصلون عملهم من داخل ليبيا ولكن بحذر شديد, إذ غالباً ما يتم فرض قيود تقوض عملهم على الأرض.

الصحفي ”محمد النائلي“ الذي يعمل كمراسل لوكالة شينخوا الصينية, في حديثه لنا عن حادثة الإختطاف التي تعرض لها في أواخر أكتوبر 2015, من قبل مجموعة مسلحة مجهولة الهوية لمدة 30 يوماً.

يقول ”النائلي” : كُنت بالقرب من مكان إقامتي بمنطقة “طريق المطار” عندما قاموا بأخذي تحت تهديد السلاح, لم أتمكن من التعرف عليهم, ولا السبب من وراء استهدافهم لي بشكل واضح. كل ما أعرفه أنهم كانوا يمقتون عملي و يعتبرونني جاسوساً لدولِِ أجنبية, وذلك بسبب عملي لوكالات أنباء غير محلية. فقد قاموا بتوجيه تُهم غريبة و مضحكة, على سبيل المثال: كانوا يقولون أنني قمت بإعطاء معلومات للعدوّ, من أجل إسقاط طائرة عمودية كانت تحمل على متنها قيادات عسكرية من المنطقة الغربية. (هنا يقصدون الطائرة العمودية التي سقطت في منطقة “الماية” بتارخ 2015_10_27) .

تعرضت خلال فترة احتجازي لأسوء أنواع الاعتداءات الجسدية واللفظية

يواصل ”النائلي“ : بعد إطلاق سراحي مررت بفترات عصيبة من أجل تخطي هذه المحنة, ومع مرور الوقت عاودت العمل الصحفي, ولكن هذه المرة بحذر شديد. فالبيئة التي نعمل بها هنا في ليبيا تُحتم علينا الحذر أثناء العمل وعدم التطرق لكل المواضيع, من الطبيعي جداً أن لا يقوم الصحفيون هنا, بإنتاج أي عمل صحفي يُنافي مصالح الجماعات التي تٌسيطر على الرقعة الجغرافية التي يعمل بها الصحفي.

لم تكن حادثة الإختطاف هو الإعتداء الوحيد من الجماعات المسلحة

لقد تعرضت أثناء عملي في السابق إلى العديد من الاعتداءات من قبل الجماعات المسلحة, خاصة عندما يتعلق الأمر بتغطية مناطق النزاع, أو الأحداث ذات الطابع الجدلي الذي لا يروق لأصحاب السلطة هنا. هذا ما جعلني أعمل بشكل حذر و تحت ضغط شديد. أصبحت أبتعد عن التغطيات في أماكن النزاعات أو تغطية المواضيع السياسية الشائكة.
لا أحبذ العمل تحت كل هذه القيود التي فٌرضت علينا, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, ولكن هذا هو الخيار الوحيد أمامي من أجل مواصلة العمل في هذا المجال.

مؤشرات دولية 

ممارسة العمل الصحفي في ليبيا ممارسة محفوفة بالمخاطر, حيث تُصنف المنظمات الدولية ليبيا, كأحد أكثر الدول خطورة لمهنة الصحافة, إذ يضع النزاع المسلح و الإنقسام السياسي القائم منذ عام 2011 الصحفيون و الوسائل الإعلامية كأول ضحايا هذا النزاع بين الأطراف المتناحرة في مختلف المدن الليبية.

مراسلون بلا حدود وهي منظمة دولية معنية بالدفاع عن حرية الصحافة و الصحفيين حول العالم, تؤكد هذه المنظمة حسب تقاريرها السنوية حول ليبيا منذ عام 2011,  أنه تم تسجيل ما يزيد عن 331 حالة إنتهاك في حق الصحفيين في ليبيا حتى نهاية عام 2016, وهي جرائم حظيت في الغالب بالإفلات من العقاب.

وبحسب إحصائيات تحصلنا عليها من منظمة مراسلون بلا حدود, سُجلت في الفترة مابين 2011_2014
(168) حالة إنتهاك ضد الصحفيين في ليبيا. وفي الفترة مابين عامي 2014_2016 حوالي (163) حالة إنتهاك, لتكون الحصيلة في الفترة الممتدة بين عام 2011 حتى عام 2016. حوالي 331 حالة إنتهاك ضد الصحفيين و كانت هذه الإنتهاكات على النحو التالي :

و ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تشرف عليه منظمة مراسلون بلا حدود و الذي يصدر عنها سنوياً. حلت ليبيا في عام 2018 في المرتبة 162 من أصل 180 دولة يشملها هذا التصنيف. إذ صُنفت ليبيا ضمن الدول التي يُعد وضع حرية الصحافة فيها بالوضع الخطير جداً, حيث جاءت ليبيا ضمن الدول باللون الأسود, الذي يرمز إلى تدني مستوى الحرية الذي يتمتع بها الصحفيون في ليبيا, وهذا يؤكد المؤشر الخطير الذي تعاني منه ليبيا في السنوات الأخيرة على صعيد حرية الإعلام و الصحافة.

و وصفت المنظمة في تقريرها الأخير, أن ليبيا تعاني من حالة تفريغ من صحفييها الذين يعانون من كثرة الإنتهاكات المتكررة, مما جعلهم يختارون المنفى في غالب الاحيان من أجل الحفاظ على سلامتهم, و ممارسة عملهم الصحفي بقدر أكبر من الحرية.

 

أمازيغ ليبيا .. الصراع من أجل الهوية

بالرغم أن الأمازيغ هم الفئة الغالبة من الناحية العرقية في مكون الهوية الليبية, لا يزال العديد من الناس يعتبرونهم أقلية عرقية, بالنظر إلى عدد الناطقين بلغة الأمازيغ في وقتنا الحاضر.
ولكن هل فكرت يوما بإعادة النظر والبحث عن أصولك الجينية, فمن الممكن أن تكون سلالتك الجينية أمازيغية نظراً لإرتباط هذه السلالة بالأصل الجيني لسكان شمال إفريقيا.
فلا تحاول الحكم على الهوية الليبية بمفهومك الخاص, بل عليك التمعن جيداً في هذه الهوية وما تحمله من خصوصية وتنوعِِ عرقي وثقافي وحضاري. 

 

تعددت الدراسات و الأبحاث حول الأصل الجيني لسكان شمال إفريقيا, فالتنوع المظهري الذي يتسمون به يقف حاجزاً أمام تحديد ما إذا كان الأمازيغ من أقدم الأعراق البشرية أم أنهم نِتاج تلاقح لعدة مكونات جينية مختلفة.علمياً يُعد التحور الجيني (E1b1b1b1(E-M81 من السلالات الجينية الذكورية الأكثر شيوعا في شمال إفريقيا.

موقع family tree dna الخاص بالدراسات الجينية

وهو الجين الأصلي لسكان شمال أفريقيا ومنه تنحدر القبائل البربرية “الأمازيغية”. ويُعتقد أن أول ظهور لها كان منذ 5600 سنة.

و تُعد أكثر مناطق التواجد الأمازيغي كثافة في ليبيا هي سلسلة “أدرار نفوسة” و مدينة زوارة الساحلية, أيضاً في غدامس ويسميها أهلها “عديمس” وغات و أوباري ووادي عتبة وسوكنة واوجلة والفقهة ونسبة صغيرة في الجغبوب وفي مناطق متفرقة من كل الجنوب الليبي المتمثلة في قبائل “إيموهاغ” الرحل، ولا توجد أي إحصاءات رسمية عن تعداد الأمازيغ في ليبيا.

 التيفيناغ

(تيفيناغ) والتي تعرف أيضا بالكتابة الليبية القديمة أو البربرية واحدة من أقدم الأبجديات التي عرفها التاريخ، والتي تُصنف كلغة أفروأسيوية, تتفرع إلى عدة لهجات متحدّثة حسب المنطقة وتشترك في قواعد اللغة, الصرف النحو وتنحصر الإختلافات في المعجم و التنغيم.
و يؤكد بعض المختصين أنها عاصرت الكتابة الأولى التي عُرفت في منطقة سومر ببلاد الرافدين، ويرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح, كما تشهد على ذلك الكتابات والنقوش الموجودة في الصحراء الكبرى كما يذهب إلى ذلك الباحث “الحجي آمي”.
وعموما فإن عمر تيفيناغ يعد مسألة لم تحسم بعد، وبحاجة إلى بعض الوقت. ولكن تيفيناغ مما لا شك فيه سابقة للأبجدية الفينيقية بقرون كما أثبتت الدراسات الأثرية الحديثة، الأمر الذي ينفي بما لا يدع مجالا للشك الافتراض الذي تبناه كثير من الباحثين الأجانب من أن تيفيناغ ذات أصل فينيقي.

والتنوعات الكبرى في اللغة الأمازيغية هي حسب تعداد الناطقين بها في المنطقة نذكر منها التنوع في اللهجات في ليبيا:
لهجة أمازيغ الواحات – اللهجة الأمازيغة التارقية -اللهجة النفوسية -اللهجة الزوارية – اللهجة الغدامسية.

رسومات \ منيرة الحاج

الأمازيغية في ليبيا من لغة محظورة إلى مادة دراسية 

إستناداً إلى المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية الذي ينص على أن “للشعوب الأصلية الحق في إقامة نُلظمها ومؤسساتها التعليمية والسيطرة عليها وتوفير التعليم بلغتها، بما يتلائم مع أساليبها الثقافية للتعليم والتعلم.
إذ أصدرت المجالس المحلية للمدن الناطقة باللغة الأمازيغية في عام 2012 قرارا بإدراج اللغة الأمازيغية كمادة أساسية في المنهج الدراسي للمرحلة الابتدائية، 7 بلديات في ليبيا تعتمد منهج اللغة الأمازيغية كمادة أساسية للمرحلة الابتدائية؛ وفي عام 2015 صدر قرار من وزارة التعليم بإنشاء قسم اللغة الأمازيغية في كلية الآداب زوارة.

نافع مالطي رئيس قسم اللغة الأمازيغية بكلية الأداب زوارة يقول أن مساعيه لإنشاء قسم خاص باللغة الأمازيغية كان شغله الشاغل منذ عام 2013 عندما كان عميدا لكلية الأداب إذ تواصل حينها مع إحدى الجامعات في الجزائر بشأن المناهج التي ستُعتمد والمحاضرين أيضا, وبعد تجهيز المناهج تم تقديم مقترح إنشاء قسم اللغة والذي مر بالعديد من الإجراءات والإدارات وصولا إلى وزارة التعليم، وفي عام 2015 أصدرت وزارة التعليم قرارا بإنشاء قسم اللغة الأمازيغية بجامعة زوارة.

يصف مالطي شعوره بعد صدور القرار أنه من أهم الإنجازات التي عمل عليها يوما، وأن السنة القادمة ستشهد تخريج أول دفعة في ليبيا لقسم اللغة الأمازيغية، ويضيف أن هناك محاولات من بعض النشطاء والأكادميين لتأسيس قسم في جامعة جبل نفوسة.
خطوة هي الأولى من نوعها في ليبيا، يراها الكثيرون إنجاز للهوية ودعم لبقاء اللغة وتطورها.

الفولكلور الأمازيغي 

تميز الأمازيغ بفنونهم وثقافتهم إذ يعتبر الأمازيغ في ليبيا أن العادات والتقاليد والطقوس في المجتمع الليبي مستمدة من أصول أمازيغية حصل عليها إثراء من ثقافات أخرى دون القضاء عليها, وللأمازيغ في هذا ما يميزهم عن غيرهم من الشعوب و الأعراق الأخرى في ليبيا اليوم حيث يحتفل الأمازيغ إلى يومنا هذا برأس السنة الأمازيغية المعروف بالتقويم الفلاحي, نظرا لإرتباطه الوثيق بالزراعة, ويتزامن حلوله مع اليوم الثالث عشر لبداية السنة الميلادية, أعتمد هذا التقويم في سنة 950 قبل الميلاد, مما يعني أن هذه السنة 2018 توافق  2968  عند الأمازيغ.

الفن الأمازيغي الليبي 

طالما اعتبرت الفنون مرآة للروح، وحافظة لهوية وثقافة الشعوب، كان الغناء والموسيقى جزءا من ثقافة المجتمعات الأمازيغية، وكانت عدة آلات لها خصوصية داخل المجتمع كآلة القيتارة والبندير والمندولين، الكثيرون تأثروا بالقصص القديمة المعروفة ب”تينفاس” والشعر المعروف ب”أسفرو” والغناء الطويل المعروف بـ”اينيج ازقرار” التي كانت تحكيها أمهاتهم وجداتهم، حيث كان للمرأة دور مهم في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية.

رمزي الغالي فنان من مدينة زوارة تأثر بالقصص القديمة والشعر والغناء الطويل الذي كان يسمعه من جدته، امتلك تلك الأذن الموسيقية منذ الصغر وبدأ اهتمامه بالموسيقى منذ ذلك الحين، جذبته القيتارة، تلك الآلة الوترية الموسيقية التي يعتبرها الآلة المحببة لدى المجتمعات الأمازيغية منذ القدم، تميزها عن باقي الآلات الموسيقية تردداتها وايقاعاتها المختلفة، تعلق بداية بالموسيقى المغربية والقبايلية الجزائرية، يقول

كنت استمع إلى العديد من أنماط الموسيقى العالمية وكنت أستمتع بها لكن عندما أستمع الى الفنان الأمازيغي ايدير كان يراودني شعور مختلف كانت تحرك شيئا داخلي لم أعلم ماهو عندما كبرت عرفت أنها كانت تُحرك فيَّ الهوية

مرت الموسيقى والأغنية الأمازيغية الليبية الحديثة بمراحل عدة، كانت بدايتها مع زايد صمامة في ستينيات القرن الماضي، ثم سبعينيات القرن الماضي التي شهدت تطورا على أيدي الفنانين أمثال صالح الهوش وبوعجيلة عكاشة، وتلتها فترة الثمانينات التي أسهمت كلمات وأشعار الكاتب سعيد سيفاو المحروق في إحداث نقلة نوعية في الأغنية الأمازيغية بالإضافة إلى فنانين آخرين أمثال خالد النجار وعبدالله عشيني وعبدالله الدنباوي والمالطي، ثم تأتي فترة التسعينيات والتي كان هو أحد روادها.

يسرد لنا الفنان رمزي الغالي الصعوبات التي كان يواجهها فنانو القرن الماضي حيق يقول أن كل فنان أو ناشط في المجال الثقافي كان يتعرض للمراقبة والمطاردة من قبل أجهزة النظام السابق وكانت أسماؤنا على لائحة الممنوعين من السفر، ويضيف

أحييت عدة حفلات في طرابلس وتونس ومدينة سيوة بمصر وفي الجزائر كانت كلها تُنظم بطريقة سرية بعيدة عن عيون أجهزة النظام، أما رحلتي لمصر والجزائر كانت عبر الحدود بطريقة غير قانونية حرصا على حياتي

الغالي لم يكن يحلم أن يكون مغنيا، كانت كل أحلامه عن الموسيقى كتابة ولحنا، لكن الحظر المفروض على الأنشطة الثقافية في ليبيا أدى لفراغ فني داخل المدينة واهتمام القليلين بالموسيقى هذا ما دفعه للغناء للمرة الأولى سنة 1996 ونشر حينها أغنية قديمة معروفة باسم ايضناط.

خصوصية اللباس والمأكل

منذ القدم كانت للمجتمعات خصوصيتها في اللباس والأكل بناء على العديد من العوامل الديموغرافية و البيولوجية و السيكولوجية, والأمازيغ الليبييون كغيرهم من الشعوب لهم خصوصيتهم و ثقافتهم الخاصة في اللباس و الأكل.

وائل فطيس وهو باحث في التاريخ الأمازيغي يقول أن المناخ الجوي في ليبيا كان عاملا مهما في تكوين خصوصية الأكل، وبسبب المناخ الجاف اعتمد الليبيون القدماء على كسكسو والزميطة وأضمين والأكل البعلي بشكل عام. ونُقل عن مؤرخين منهم هيريدوث وبيليني قولهم أن الأمازيغ كانوا معتمدين على سياسة التقشف وعدم الاستهلاك في الأكل فترة القرن الرابع قبل الميلاد. 

كما أضاف فطيس أن أول من اخترع الملابس الداخلية المصنوعة من مادة الجلد هم الأمازيغ، وكانوا يرتدون ملابس من الجلد والقماش كانت عبارة عن قطعة كبيرة لا حياكة فيها، ومن الألبسة التي لازالت حاضرة إلى عصرنا هذا هي أحولي وتيمدقلت والشمَلت التي تصنع من الصوف، إضافة إلى بلّيري وهو رداء ترتديه النساء أخذ طابع معين عند كل قبيلة، كانت كل قبيلة أمازيغية  لها طريقة محددة ولون محدد في ارتداء البليري حتى يمكن تمييز نساء كل قبيلة عن الأخرى.

 

 مر اللباس بمراحل مختلفة، كان الهدف من الملابس قديما تغطية الجسد وتدفئته ثم أخذت الشعوب تتفنن في ابتكار ملابس بطابع مميز يشبهها ويعبر عنها وعن هويتها.

الوشم الأمازيغي صراع الهوية و الدين

تفننت الشعوب منذ القدم في فن الرسم على الجسد بتعبيرات مختلفة ولغايات متنوعة. ويعتبر الوشم من أقدم تلك الممارسات، إذ ظهر في مختلف الحضارات على مر التاريخ. في ليبيا، عُرف الوشم مع الأمازيغ، إذ يعتبر ثراثاً عريقاً وموغلاً في الثقافة الأمازيغية وجزءاً من هويتها. واقترن أساساً بالمرأة وبدرجة أقل بالرجال، فلدى غالبية النساء الأمازيغات وشوم. فمن شبه المستحيل أن تجد جدة أمازيغية يخلوا جسمها من الوشوم, فالوشم يُعد تقليد موغل في الثقافة الأمازيغية له مدلولات أسطورية وجمالية. إذ يتخذ الوشم بعداً جمالياً لدى الأمازيغ ويعتبر من أهم وسائل زينة المرأة الأمازيغية، فهي التي توشم عند سن البلوغ لتعلن عبر الأشكال والرموز والرسوم دخولها مرحلة النضج. وتضع الوشم في مختلف مناطق جسمها، كالوجه والذراع واليد والصدر والنهدين والرجلين والمناطق الحساسة من جسدها، ليتحول إلى لوحة فنية تخاطب الآخر لإثارة إعجابه. فيصبح للوشم دلالة جمالية إغرائية. أما الرجال فيكتفون ببعض الوشوم في اليد والذراع والأرجل. رسومات \ فاطمة مسعود

ومع ظهور الإسلام وانتشاره في البلاد واعتناق الأمازيغ له، لم يتخلوا عن هذه الممارسة مباشرة رغم تحريم الأحاديث النبوية للوشم، بل أستمرت عادى الوشم لدى الأمازيغ في ليبيا حتى بدأت مع مرور الزمن تتلاشى تدريجيا نظراً لقناعة أغلب الأمازيغ أن الدين يُحرم مثل هذه المماراسات. السيدة “تلعيز” ثمانون عاماً من مدينة زوارة تضع وشماً على جبينها عندما كانت في سن الحادية عشر كدلالة على نضوجها وبلوغها, إذ يعتبر الأمازيغ المرأة التي تضع الوشم في هذا السن كدلالة جاهزيتها للزواج. تقول “تلعيز” كان الوشم تقليداً يُتبع عند كل أهل المدينة، وعند الحديث عن تجربتها مع الوشم قالت إنها أهلها وضعوا لها وشماً وهي في سن صغيرة كتقليد يتبعه الأمازيغ, وتقول إنها تتذكر هذا جيداً إذ كان الوشام الذي قام بوضع الوشم لها رجل من قرية مجاورة لهم, وتصف أن عملية الوشم كانت مؤلمة ولم تكن تعي أهمية وضع الوشم بالنسبة لها سوى أنه تقليد يُتبع عند بني عرقها من الأمازيغ. تقول هذه السيدة اليوم إنها نادمة على وضعها لهذا الوشم بعد إدراكها أن هذا العمل هو محرم في الدين الإسلامي كما أخبرها بعض رجال الدين في مدينتها, وتقول إنها تتمنى إزالته وعدم وجوده على جسدها ولا ترى هذا الوشم إلا تشويه لوجهها فقط لا غير.

رسومات \ فاطمة مسعود

 نظرة حول حقوق الأمازيغ

مادغيس أومادي الناشط الأمازيغي يقول في حديثه لنا عن أمازيغ ليبيا بأن الحديث عن عرق الأمازيغ في ليبيا يمكن التطرق إليه من الجانب الحقوقي وذلك لأن أغلب الناس تتفق على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. إذ يعتبر “أومادي” أن الحديث عن الأمازيغية أو حقوق الأمازيغ التي اضطهدت سواء من الأنظمة السابقة أو الحالية يجد دائما مساندة من العديد من الناس من مختلف الأعراق.

ويستهل “أومادي” حديثه عن وجود بعض الحساسيات حول حقوق الأمازيغ والتي تأتي من مفهوم خاطئ, إذ يؤكد أن هذه الحساسيات غالبا ما يكون لها إرتباط بنعرات قبلية.
ومن وجهة نظره يقول “مادغيس”

 

 

التنوع الثقافي وتمسك كل عرق بثقافته ولغته وفنونه لايعني إقصاء الأخر

ويواصل حديثه بقوله أن الإعتراف بحق العرقيات المختلفة هو الأساس من أجل الدخول في التفاصيل وتضمين هذه الحقوق من قبل أهل الإختصاص وذلك من الناحية التشريعية من خلال نصوص قانونية واضحة تضمن حق كل مكون من مكونات الأمة الليبية.

ويستطرد في رؤيته حول التنوع العرقي في ليبيا وحقوق الأمازيغ تحديداً بقوله أنه يجب أن لا يتم تداول قضية الأمازيغ مقابل العرب أو العرب مقابل التبو أو التبو مقابل الأمازيغ …إلخ إذ أن هذه الاعراق الثلاثة وهي الحالة الموجودة في ليبيا يجب أن توضع حقوق هذه الأعراق مقابل ما تنص عليه المعهادات الدولية لحقوق الإنسان.

وفي نهاية حديثه يقول مادغيس أن التنوع والتعدد العرقي والثقافي هو ما سيخلق لنا الأمان والإستقرار معبراً عن هذا بقوله أن

 

 

المجتمعات المتعددة لغوياً ودينيا وحزبياً وثقافياً و عرقياً هي أكثر المجتمعات إستقراراً وتقدماً

 

 

العيش تحت خطر التهديد

عُرف عن الأمازيغ في ليبيا اتباعهم للمذهب الإباضي أحد المذاهب الإسلامية والذي يختلف في بعض الأحكام عن المذهب المالكي، في يوليو 2017 أصدرت اللجنة العليا للإفتاء التابعة للهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة فتوى بتكفير الإباضية ووصف أتباعها بالخوارج.

سهام بن طالب حقوقية أمازيغية وعضوة في المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا تقول إننا كشعب أمازيغي نواجه دعوة للتصفية خاصة بعد الفتوى التي أصدرتها اللجنة العليا بتكفير الإباضية ووصفهم بالخوارج، مؤخرا تم الهجوم على مسجد إباضي في منطقة تندميرة وخطف إمام المسجد وتكفيره من قبل مجموعة من خارج المنطقة، إضافة إلى حادثة الخطف التي تعرض لها الناشط الأمازيغي ربيع جياشي في بنغازي واتهامه بالعمالة والجوسسة بسبب كتابته بحروف التيفيناغ.

وتعلق بن طالب على الحقوق الدستورية والقانونية قائلة أن فترة النظام السابق (نظام القذافي) كان يحظر علينا استعمال اللغة الأمازيغية كنا نتحدث بها فقط داخل المنزل ومُنِعنا حتى من تسمية  أبنائنا بأسماء أمازيغية.

اليوم لدينا بعض المكتسبات كتدريس اللغة والاحتفال برأس السنة، لكن الدولة بمؤسساتها لازالت لاتعترف بحقوقنا وأعيادنا

منذ صدور الإعلان الدستوري في سنة 2011 وتعديله سنة 2012 اعترض الأمازيغ على المادة 30 بشأن آلية الانتخاب التي تنص على أن قرارات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور تصدر قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد، وبعد قرابة السنتين من الأخذ والرد تم تعديل الفقرة بإضافة التوافق مع المكونات الثقافية ليصبح النص تصدر قرارات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بأغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد مع وجود التوافق مع المكونات الثقافية فيما يخصهم، وتقول بن طالب معلقة على التعديل أنه مطاطي ويدعوا للكثير من التأويلات مالم تحدد ماهي المسائل التي تخص المكونات الثقافية.

سنة 2017 أصدرت منظمة ماينوريتي الدولية تقريرها السنوي الذي صنفت فيه الأمازيغ في ليبيا من المجموعات التي تعيش تحت خطر التهديد. 

مراكز الإيواء في ليبيا .. ملاجئ أم سجون

الهجرة من دول جنوب الصحراء الإفريقية نحو دول شمال المتوسط لطالما إرتبط هذا الملف بإسم (ليبيا) في السنوات الأخيرة. إذ يرى المهاجرون في ليبيا تلك البوابة الذهبية التي تتيح لهم فرصة عبور البحر هرباً من جحيم الفقر والحروب في بلدانهم إلى دول توفر لهم حياة كريمة.
رحلة قد تبدو سهلة في بادئ الأمر لهؤلاء المهاجرين, ولكن  هذه الرحلة تُخفي في طياتها العديد من المفاجأت والمخاطر.

المهاجرون العابرون من ليبيا عبر حدودها الجنوبية التي لم تعرف إستقراراً منذ سنوات. وبعد رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر عبر المدن الليبية يجدون أنفسهم أمام ثلاث خيارات, إما المجازفة بعبور البحر في أحد قوارب المهربين غير الآمنة, أو العودة إلى ديارهم عبر نفس الطريق المحفوف بذات القدر من المخاطر عبر الصحراء, أو البقاء في ليبيا بحثاً عن العمل.

وفي جميع هذه الحالات, غالباً ما ينتهي الحال بالمهاجرين داخل أحد مراكز الإيواء التي خصصتها الدولة الليبية من أجل تجميع المهاجرون و محاولة إيجاد حلول منطقية لهم.

المهاجرون القابعون داخل هذه المراكز بالألاف ونظراً للأعدادهم الكبيرة, يعيشون ظروفاً صعبة نظراً لضيق الأماكن التي يُحتجزون بها وقلة الإمكانيات التي توفرها تلك المراكز لهم, مما يجعل من حياتهم داخل هذه المراكز أشبه بالكابوس.
 هنا يصبح المهاجر الذي كان يطمح الى الوصول الى اوروبا والحصول على حياة كريمة بين نارين, إما نار البقاء داخل هذه المراكز والعيش في ظروف غير مناسبة, أو نار العودة من حيث أتى ومواجهة الفقر والحروب هناك في بلده.

الهروب من الحرب إلى السجن

حواء الأثيوبية البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً, وجدت نفسها مع زوجها الذي هربت معه من ويلات الحرب في بلدها داخل (سجن) هكذا وصفت حواء مركز الإيواء التي تُحتجز بداخله في مدينة طرابلس.

هربت حواء من ويلات الحرب في بلدها برفقة زوجها بعد أن فقدت كامل أفراد أسرتها هناك نتيجة الحرب, و بسبب الظروف السيئة التي عاشتها حواء لم تستطع أن تُكمل دراستها فهي لم تدرس إلا للصف العاشر.

وتقول حواء إنها وبعد مغادرتها لبلدها أثيوبيا نحوّ ليبيا لم يكن لديها حلم الوصول إلى السواحل الأوروبية كما هو حال العديد من المهاجرين العابرين لليبيا, فهي لا تريد إلا النجاة من الحرب والعمل والحياة بشكل جيد بمكان أمن.

وتواصل حواء حديثها حول ما حدث لها في ليبيا وتقول بأنها تعمل في ليبيا كخادمة في المنازل من أجل الحصول على قوت يومها.
حيث تروي لنا تفاصيل إعتقالها بعد أن إقتطعت إجازة من عملها في أحد منازل الليبيين, وإنتقلت رفقة زوجها لمكان سكن جديد بمنطقة (قرقارش) وبعد مضي عشرة أيام فقط حدث ما حدث, إذ قامت إحدى المجموعات المسلحة بإقتحام أماكن سكنهم وأخذهم إلى مراكز إيواء المهاجرين غير الشرعيين, مؤكدة أنهم لم يكونو على علم بوجود مشاكل بمكان سكنهم الجديد وإنهم لم يقوموا بإرتكاب أي ذنب, كل ما كانو يقومون به هو العمل كخدم في منازل الليبيين.

وعند سؤالنا لحواء عن رغبتها في العودة الى بلدها قالت إنه في حال عودتها سوف تموت بكل تأكيد بسبب الحرب هناك, كما إنها لن تجد مكان تلتجئ له بعد أن فقدت كل أفراد عائلتها.
وتقول حواء:

لقد خرجت من بلادي لكي أستطيع العيش في الدنيا

حواء تقول إنه ليس لديها حلم في هذه الدنيا فهي لا تريد سوى المغادرة الى بلد مسلم تستطيع العيش والعمل فيه مثل الدول الخليجية, إذ أنها عندما جاءت الى ليبيا لم تتوقع أن تواجهها كل هذه المشاكل وأن ينتهي بها الحال وراء قضبان حديدية داخل مراكز إيواء أشبه بالسجن كما جاء في وصفها.
وبصوت يملؤه الحزن تقول:

كنت فقط أود العمل والعيش في بلاد المسلمين.. ولكن لم أجد ما كنت أتوقعه

 

أطماع المهربين .. ولا ذنب لـ الليبيين

هنا قصة مهاجرة من نيجيريا تبلغ من العمر 31 عاماً بأحد مراكز الإيواء في ليبيا, بصوت مضطرب تتوسل في حديثها لحكومة نيجيريا والحكومات الأوروبية بأن ينظروا إلى حال المهاجرين النيجيرين في ليبيا.
تقول هذه المهاجرة إنها كانت تدرس في بلدها نيجيريا, قبل أن يخبرها المهربون هناك, أنهم سوف يرسلونها من أجل العمل كمدبرة منزل في ليبيا من أجل الحصول على المال.

وتصف هذه المهاجرة رحلتها من نيجيريا الى طرابلس عبر سبها, بأنه تم إساءة معاملتهم من قبل المهربين هناك, تقول إنهم لا يأبهون لحياتنا أو مستقبلنا فقط يفكرون في المال, حيث يقوم العابرون للحدود الليبية من دولة نيجيريا بدفع 7000 ألاف دينار ليبي أي مايعادل 2 مليون نيرا نيجيري, يقومون بدفع هذا المبلغ من أجل الوصول إلى ليبيا بطرق غير نظامية عن طريق التهريب عبر الحدود البرية فالبعض يسعى بأن يكمل طريقه وصولاً الى سواحل أوروبا والبعض الأخر منهم يريد البقاء والعمل في ليبيا من أجل كسب المال ثم المغادرة نحو أوروبا أيضا.

تقول هذه المهاجرة في حديثها أنه يتم معاملة المهاجرين بشكل سيْ جداً ويتم الإعتداء عليهم بالضرب بأسباب أو بدونها من قبل هؤلاء المهربين.

وتواصل حديثها مطالبة حكومة بلدها نيجيريا بأن تغلق حدودها وعدم السماح لأي مواطن نيجيري بأن يعبر الحدود نحو ليبيا مجدداً, نظراً لما حدث لها خلال رحلة عبورها عبر ليبيا وماتعرضت له من إستغلال من قِبل المهربين, وإجبارها على العمل في الدعارة من أجل أن يكسبوا المال شأنها شأن العديد من النساء المهاجرات اللاتي يتم إستعبادهن وإستغلالهن من قبل المهربين.

وبصوت يملؤه الحزن والندم تتوسل هذه المهاجرة من أجل عدم السماح لهم بالذهاب الى ليبيا مجدداً.

كل ذلك ليس من الشعب الليبي .. وإنما من الشعب النيجيري

مؤكدةً في سياق حديثها أن من يقوم بإرسالهن من أجل العمل في الدعارة في ليبيا ومن يقومون بإستعبادهن من أجل كسب المال هم رجال ونساء من نيجيريا وليسوا ليبيين.

إنتهاكات ضد الإنسانية … 

إيمانويل البالغ من العمر 35 عاما من نيجيريا، يقول أنه جاء إلى ليبيا كي يعمل في طلاء الاسطح و الجدران, هذا ما كان يطمح إليه إيمانويل قبل أن يتم إيقافه رفقة عددِِ من المهاجرين النيجيرين الاخرين من قبل السلطات الليبية (بعض الجماعات المسلحة). و من هنا بدأت حكاية إيمانويل في ليبيا إذ يقول إننا تفاجأنا و إعتقدنا أننا بأيدٍ أمينة مع السلطات الليبية و كان من المفترض أن نُعامل كبشر..!

يقول إيمانويل عن المعاملة التي تلقاها هناك أعلم جيدا أنهم ليسوا أخصائيين نفسيين أو فلاسفة على أية حال،إنهم مجرد مسلحين, ولكن ما كنا نتوقعه لم يكن ما اعطونا اياه فأنا كإنسان أعلم حقوقي جيدا و بالطريقة التي عاملونا بها داخل المخيم (مركز الإيواء) لم تكن عادلة.

 

كنا نُعامل هناك ليس كالبشر وإنما كالحيوانات, ومعاملتهم معنا ونظراتهم إلينا كانت دائما على أننا حيوانات ولسنا بشرا مثلهم

هم يرون إننا نموت و لا يهتمون ولا يريدون أن يسمعوا لنا صوتاً و نحن نبكي من شدة الألم كل يوم و لايأبهون لذلك, كنا نصلي لله أن يحفظنا و ينقذنا و يخرجنا من هذا البلد لبلد أخر، فكل فرد منا يجب أن يعامل باحترام و ان يحترموا جنسياتنا.

كل ما كنا نفكربه أننا سود البشرة لهذا السبب نتلقى هذه المعاملة السيئة، وانا أعلم جيدا أن ما قاموا به هو ضد  الحقوق الانسانية الاساسية، فمن حق كل فرد ان يُعامل مثل انسان لا ان يُعامل كالحيوانات، فحتى الاكل الذي كانوا يعطوننا اياه “حتى الحيوانات تحتاج لأن تأكل ثلاث مرات في اليوم”  فالطعام الذي يًقدم لنا لا يُشبع حتى طفل ليوم واحد, ولكننا دارينا الأمر بيننا لاننا لا نثق بأحد إلا الله الذي يعلم الالم الذي نمر به ونشعر به و لا يمكن لمخلوق واحد ان يأتي لانقاذنا مما نحن فيه.

كما أرى أنهم يختلقون شيئا من التعالي بيننا وبينهم وبين العالم بأسره بالطريقة التي يعاملوننا بها، فأن سألت أحد النيجيرين و إن سألت الجنسيات الاخرى غانا مثلا أو ساحل العاج سيقولون الشيء ذاته 100% لأننا جميعا نعيش الظروف ذاتها, وعندما سنعود إلى بلداننا سنخبر أبنائنا و أحفادنا عما عانيناه وما عشناه فنحن نراهم الان كأعداء لنا، فلم نأتِ لبلدهم كي نسرق أو نعتدي على نسائهم،جئنا فقط لنعبرإلى بلد آخرفإن كان الوضع ببلدنا جيدا لما تركنا وطننا، ولأننا نملك القوة الكافية كي نعمل بجد ونعيش حياة كريمة.

ويستهل إيمانويل حديثه مخاطباً حكومة بلده نيجيريا قائلاً: ارجوكم اخلقو الفرصة لنا لكي لا نترك البلد، أعي جيدا أنه يمكن لحكومة البلد أن تخلق الفرصة لكل مواطن و بذلك يستطيع كل فرد أن يعيش حياة أفضل ولكن ليس بمخالفة القانون فلدينا أيدينا لنعمل بها ولهذا السبب نخرج كي نعمل ولكنهم يحرموننا من العمل أو التنفس أو حتى رؤية الشمس و هذا ما فعلوه بنا هنا ويعتبر ضد حقوق الانسان وضد الحقوق البشرية التي وهبها الله للبشر.

هذا جزء من قصتي هكذا يقول ويواصل حديثه: عندما أعود إلى موطننا سنقدم مذكرات الى المحكمة العليا و سنرفع قضايا على هؤلاء فنحن لسنا بإرهابين أو مجرمين، نحن لاجئين ومهاجرين فقط لبلد آخرلنحصل على حياة أفضل لأننا لم نجدها في بلدنا و أشكر الله أنني سأترك هذا المكان و أعود إلى وطني حتى إن كنت لا أملك ديناراً واحداً لأطعم نفسي به, فلدي السلام في بلدي فلا أحد سيأتي ليضربني كالكلب مرة أخرى، و لا أحد سيقدم على ضربي كالماعز مرة أخرى ولا أحد سيقول لي:


لاتنظر إلى الشمس ولا تخرج من أجل التنفس 

 

 

المهاجرون في أرقام 

مع تزايد عبور المهاجرين للحدود الليبية في السنوات الأخيرة, تحاول السلطات الليبية التعامل والسيطرة على الكم البشري الهائل المتدفق من دول جنوب الصحراء قبل وصولهم الى محطتهم الاخيرة و عبور البحر نحو السواحل الأوروبية. أيضاً البعض من المهاجرين يتم الإمساك بهم داخل البحر من قبل جهاز حرس السواحل و أمن المواني الليبية أثناء محاولتهم العبور نحو الشواطئ الإيطالية.

إذ توفر وزارة الداخلية الليبية عبر جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية عدداً من مراكز الإيواء بمناطق مختلفة يتم تجميع المهاجرين داخل هذه المراكز الى حين ترحيلهم بالتعاون مع بعض المنظمات الدولية المختصة بهذا الشأن أو سفارات دول المهاجرين المحتجزين داخل تلك المراكز.

مراكز الإيواء الرسمية والخاضعة لسيطرة وزارة الداخلية تتحفظ على عدد من المهاجرين يبلغ عددهم 19996 مهاجر ومهاجرة  هذه الإحصائية تم رصدها بتاريخ 31\10\2017 :

وبحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) رقم 14 سبتمبر2017, يؤكد هذا التقرير وجود 423.394 مهاجر داخل في22 منطقة, تم التعرف عليهم في 99 بلدية من أصل 100 و 525 محلة من أصل 675.
وكانت المناطق الأبرز التي يتواجد بها المهاجرون في هذا التقرير هي طرابلس بنسبة 18% مصراتة 17% – المرقب 11%. فيما توزع باقي المهاجرين على بقية مناطق ليبيا بنسب متفاوتة.

وبلغت نسبة البالغين من المهجارين 92% بينما القُصّر 8%, وكانت نسبة الرجال من إجمالي هذه الإحاصئية 88% و النساء  12% .

وبحسب التقرير كان المهاجرون داخل ليبيا من 38 جنسية مختلفة, وكانت الجنسيات الأكثر تواجداً بين المهاجرين في ليبيا هي النيجر 19% – مصر 18% – تشاد 15%.
فيما كان النصيب الأكبر من المهاجرين الموجودين داخل ليبيا من قارة إفريقيا إذ بلغت نسبة المهاجرين من شمال إفريقيا 31%, ومن جنوب الصحراء الكبرى 62%, أما بقية المهاجرين كانو من خارج القارة السمراء بنسب ضئيلة إذ بلغت نسبة المهاجرين من الشرق الأوسط بنسبة 2%, ومن مناطق أخرى بنسبة 5%.

فوضى حرة في سجن كبير

في ذات الوقت الذي تكون فيه الغوغائية هي المُضرمة بنيران الحرب الأهلية في ليبيا , يُخلق جانب آخر لا يتوقف, لينتج لنا في كل لحظة حراكاً موسيقياً, كتابياً وأدبياً جديداً .. هنا ليبيا . وُلد كتاب ليولد معه عنفوان أدبي صارخ بحق التعبير بعد غياب لعقود طويلة, حق يحطم قيود الصمت والإنصياع لأفكار وليدة اللحظة سُميت بــ “الأعراف المُجتمعية“.

 

أفكار شبابية لم تبقى رهن الأدمغة وقيد التفكير بل ترسخت في أشعارٍ, قصصٍ, راويةٍ ونثر .. حتى أحدثت هذه الفوضى ثورة فكرية جديدة في بلد يعج بالمشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

قُدمت مؤخراً الأنثولوجية الأدبية الليبية تحت مسمى “شمس على نوافذ مغلقة“ في إطار عمل مشترك يربط مؤسسة آريتي للأدب والفنون ودار دارف للنشر في لندن وبالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني ودار الفرجاني للنشر في طرابلس ضمن حوصلة ثقافية لأفكار ٢٥ شاب وشابة, تختلف ألسنتهم وأشكالهم وأنماط لباسهم , بل وحتى طبائعهم في تقديم أنفسهم للجمهور .

الأنثولوجية سردت وقائع الحروب والثورات وقضايا مُجتمعية مستحدثة, بالإضافة الى نصوص تحاكي خيال القصة المُحافظة والقصة الجريئة, وآخرى تدافع عن قضايا الأقليات وتطرح الفقر وإضطرابات العلاقات البشرية.

حيث تناولت المجموعة حقائق وفروض ونِتاجــات عامية و عربية, كما نسجت خيوط متينة غير متفرقة لتقديم مزيج فني مُعالج.

أبجديات مفقودة

ضمن أسواق الأدب والفن في العالم أجمع لا يوجد جمهور ثابت أو قواعد جامدة, فقد قام فريق عمل الكتاب برحلة إلى بنغازي جواً لحضور حفل التوقيع الثاني بعد الحفل التقديمي الأول في طرابلس , والذي لاقى نجاحاً مشجعاً, ولكن ما لم يكن متوقع أن مسيرة الكتاب إنهارت سريعاً في مدينة الزاوية “ 45 كم غربي طرابلس“ .. حيث وُجه الكتاب ومؤلفيه ومحرريه الى هجمة إلكترونية مُنظمة بعد عرضه في نادي القارئ “دار الكتاب“ في المدينة, بعد أن تم تداول مقاطع محدودة من رواية “كاشان“ القصة الإفتتاحية للأنثولوجية والتي عرضت نوع من العامية الجريئة وشعبوية لغة الشارع وأسلوب الواقعية غير المفلترة, كما بُررت هذه الهجمة بأن ما يطرحه الكتاب هو مجموعة من الأفكار الدخيلة التي تتعارض مع الإسلام تارةً ومع الضوابط المجتمعية تارةً آخري, واصفين الكتاب على أنه خطر حقيقي على أخلاقيات المجتمع والأعراف الليبية المُحافظــة.

و في سياق الهجمــة أيضاً و التي بقى فيها غلاف الكتاب الأصفر هو المحظور الأول والأخير داخل أروقة وتجمعات كبرى, فقد تداول المحرضون على الكتاب صوراً وبيانات شخصية للكُتاب على صفحات التواصل الإجتماعي مُعلنين أن الكتاب وفريق العمل هم “ الأولة من الجميع “ بالقصاص والإعدام دون الأخذ بعين الإعتبار قوانين الملكية الفكرية في القانون الليبي ومبادئ حرية التعبير المصونة من المجتمع الدولي.

 

الكتاب المثير للجدل

“شمس على نوافذ مغلقة” الفكرة التي انطلقت في عام 2015 بإعداد قائمة تضم مجموعة شباب موهبين في الكتابة وجمع نصوصهم الأدبية وتقييمها وفرزها, مع الحرص على وضع معايير أساسية لهذا الاختيار، مثل الشريحة العمرية الواحدة “العشرينيات”، و التنوع الجندري و الجغرافي، والتنوع الأدبي وجودته. من أجل إنتاج عمل من شأنه أن يساهم فنيا وثقافيا في تنمية البلاد. هكذا يصف د. خالد مطاوع محرر الكتاب في حديثه لنا عن العمل الأدبي الذي أثار الجدل.

ويقول مطاوع انه تم إطلاق الكتاب في مدينة القاهرة في حفل بمقر الجامعة الأمريكية في 23 مايو 2017. ثم جاء حفل التوقيع الأول بمدينة طرابلس في 4 يوليو 2017. تلاها حفل توقيع بمدينة بنغازي يوم 16 يوليو 2017. ثم وُجهت دعوة من نادي القارئ بمدينة الزاوية لإقامة حفل توقيع للكتاب يوم 26 أغسطس 2017. حفل مدينة الزاوية كان الشرارة التي أشعلت فتيل الهجمة التي وُجهت ضد الكتاب بعد نشر جزئيات من رواية “كاشان” عبر مواقع التواصل الاجتماعي.



يذكر أن النص الذي أثيرت حوله الانتقادات، هو عبارة عن مقطعين من رواية كاشان” لأحمد البخاري التي سبق أن نشرت في طرابلس عام 2012، برقم إيداع 2012/429. ردمك: ISBN 978-9959-812-73-5، أي أن هذا النص قد حظي بموافقة الهيئة العامة للثقافة وقت حكومة عبدالرحيم الكيب.

وبعد بدء الهجمة الشرسة بحسب وصف مطاوع, يقول محرر الكتاب انه لم يتوقع الهجمة لإعتباره أن النص الذي أثار الجدل ليس بالنص المثير للجدل فعليا بحسب اعتقاده, ولكنه يرى أن القائمين على هذه الحملة ضد الكتاب توضحت نواياهم التي تهدف الى طمس أي نوع من أنواع الثقافة والأدب.

و كان رد الفعل الأوّلي لـ مطاوع بعد كل هذا الصخب ضد الكتاب بإعلانه تحمل المسؤولية بشكل مباشر كمحرر للكتاب عن كامل محتواه وعن اختيار النصوص. محاولاً إيضاح الحقائق حول الكتاب وعن النصوص المتعددة التي به وعدم مسؤولية بقية الكُتاب عن ما قام بنشره الكاتب أحمد البخاري. مشجعاً بقية المشاركين بأن ينشروا نصوصهم لكى يظهر للعامة محتوى الكتاب الذي طمسته الصفحات المنشورة من مشاركة البخاري.
كما أكد على تواصله مع جميع الكُتاب ومحاولة مساعدتهم ومتابعة أوضاعهم والتأكيد على سلامتهم وتشجيعهم على الاستمرار ومواصلة مشوارهم الإبداعي, خاصة أن هذه الضجة سيكون لها تأثير طويل المدى على نفسيات الشباب، وقد يربكهم الأمر ويفرض عليهم ترك الكتابة اساسا. كما أن بعض المشاركات تلقين الكثير من اللوم و الضغط من عائلتهن مما قد يؤدي لتركهن الكتابة لحين. مضيفاً أن هذه الحملة اثبتت حاجة ليبيا للثقافة وأهمية دعم التنوع الفكري والأدبي والفني فيها.

ويقول مطاوع أن السبب الأساسي لوجود هذا العمل هو التعريف بهؤلاء الأدباء الشباب ودعم مواهبهم. و توفير مواد أدبية تخاطب فئة الشباب مكتوبة من قبل مؤلفين من سنهم. و دعم الكتاب الليبيين الشباب من خلال نشر أعمالهم ولفت الانتباه إليها. أيضا من أجل إبراز المواهب الشابة وتحفيزها ومساعدتهم على الظهور بشكل اكبر وتعريف الناس بهم .

المرأة دائما مستهدفة

رغم أن صاحب النص الجدلي في كتاب “شمس على نوافذ مغلقة” رجل ولكن بدى من الواضح استهداف المرأة في الحملة التي شُنت ضد الكتاب, سواء بنشر صور و أسماء المشاركات أو حتى التهديدات التي تصلهم بشكل مباشر بغرض إبعادهن عن الساحة الثقافية .

فيروز العوكلي وهي إحدى المواهب الأدبية الشابة المشاركة في الكتاب بـ أشعار وقصص قصيرة, تروي لنا ما تعرضت له إزاء الحملة التي تعرض لها الكُتاب المشاركين في هذا العمل . وتقول إنها تعرضت لهجوم عنيف عبر مواقع التواصل الإجتماعي, وذلك بنشر صور شخصية لها أثناء حفل توقيع الكتاب بمدينة بنغازي مع عبارات مسيئة وجارحة في حقها ناهيك عن رسائل السب والشتم والتهديد غير المبررة التي وصلت الى حد التكفير من قبل بعض الجماعات الدينية.

وتقول العوكلي أنها تعاملت مع هذه الحملة بكل هدوء وصبر, مؤكدة على عدم تأثير ما حدث على طموحها في مواصلة مشوارها ككاتبة, مرجعة سبب انتشار صور المشاركات في الكتاب بشكل واسع وتعرضهن للمضايقة أكثر الشباب الي ثقافة المجتمع الذي دائما ما ينتقص من حق المرأة ولا يتقبل مشاركتها وظهورها في مجالات الحياة المختلفة ثقافية, فنية, سياسية أو غير ذلك من المجالات .

كما أضافت الكاتبة الشابة فيروز أن كل المشاركين في هذا العمل معرضين للخطر جراء التهديدات المتتالية التي تؤكد أن هذه الحملة لم تكن بشكل عشوائي كما يعتقد الكثير وإنما كانت حملة منظمة من قبل تيارات فكرية معينة تهدف الي تضييق الخناق على الحراك الثقافي في ليبيا بشكل عام مستغلين العوامل التي تمس العادات المجتمعية.

فيروز شأنها شأن باقي المشاركات في الكتاب وضعت تحت مجهر مجتمع يرى في ظهور المرأة ومشاركتها في جميع المجالات ظاهرة غير سليمة تمس بعادات وتقاليد المجتمع.

تضامن ثقافي ضد التحريض والتهديد

انقسم رواد الحراك الثقافي وأنصاره في ليبيا الى مجموعات مؤيدة للكتاب كقطعة متنوعة تطرح شأناً أدبياً وصفته بــ “ الأدب الصادم “ وآخرى عارضت النص محل الإعتراض وبقت على تأييدها لباقي النصوص .

فالبرغم من الحملة التي شُنت ضد الكتاب عبر مواقع التواصل الإجتماعي الا أنه وبالمقابل كان هناك تضامن ثقافي من كُتاب و أدباء ومثقفين ليبيين وغير ليبيين.
إذ سارع عشرات الأدباء والكُتاب والمثقفين العرب بالتوقيع على بيان، عبر الإنترنت، يدين مصادرة السلطات الليبية للكتاب كما ينددون من خلاله بالحملة الضارية ويدينونها، ويطالبون بإيقافها العلني والفعلي. كما يطالبون الجهات الرسمية ذات العلاقة بالثقافة، والسلطات القائمة، بتحمل المسؤولية في حماية الكُتّاب والمحررين ودار النشر والمنظمين لحفلات التوقيع. وأن تتخد موقف واضح من إغلاق المراكز الثقافية وتكميم الأفواه، وإعتبارها المسؤولة عن حرية الفكر والنشر والإبداع وحماية الكتّاب والمبدعين.

كما قامت منظمة القلم الدولي بإصدار بيان أعربت من خلاله عن قلقها على سلامة الكُتاب والمحررين, محملين السلطات الليبية كامل المسؤولية عن سلامة الكُتاب وجميع المعنيين بالكتاب, معتبرين أن تصريحات وتصرفات السلطات الليبية تقوض حرية التعبير بدلاً من دعم الكتاب والمحررين الذين تستهدفهم الجماعات الدينية .

                                                                    

 

 

عزّة المقهور وهي ناشطة حقوقية تقول أن الحراك الثقافي هو جزء من حركة المجتمع الليبي ككل، ولا شك انه تأثر بظروف الحرب. لكن الجانب المضيء في كل هذه العتمة التي نعيشها هو ظهور نشاطات شابة في كل مناحي الحياة خاصة الاجتماعية من خلال منظمات المجتمع المدني والتجمعات الثقافية.
إذ يحاول بعض الشباب الذكي التعامل مع توحش الحرب بإضاءة شموع الثقافة والفن، لكن وطئة الحرب وجبروتها بطبيعتها تحارب كل ما هو انساني وبفظاظة منقطعة النظير.

فالمقاومة بالكلمة اثناء ظروف الحرب اعتبرها مقاومة بطولية.. لقد حرك هذا الكتاب الراكد واظهر تشوه وحجم الدمار الاجتماعي الذي طال البلاد واهلها.

فلابد من التمييز بين النقد لعبارات أو جمل معينة وحرية التعبير تجاهها بل ومعارضتها وتتبع السبل المتاحة لإظهار ذلك، لكن في ظروف الحرب والعنف غالبا ما يكون الرأي – كما ظهر لنا تجاه جزء من رواية في كتاب من مئات الصفحات- مشوهاً وعنيفاً ومحرضاً ومهدداً وناسفاً لمستقبل زاهر ينحته الشباب بالريشة في زمن العنف.


كل المعارك ضد الكتاب خاسرة، والابداع لا ينضب لأن منبعه البشر

لا مواقف رسمية مشجعة

“مطبوعات هدامة تسيئ الي الأخلاق والآداب العامة” هكذا وصفت الهيئة العامة للثقافة بحكومة الوفاق الوطني كتاب شمس على نوافذ مغلقة في رسالة وجهتها الهيئة الي أصحاب دور النشر والمكتبات. أكدت من خلالها مصادرة النسخ الموجودة ومنع نشرها وتداولها وأن كل من يخالف هذا سيُعرض نفسه للملاحقة القانونية.
موقف غير مشجع, مزعج ومحبط في حق شباب طموح ومبدع أراد أن يقدم مواد أدبية لمجتمع تشبع بالعنف والحرب والخطابات العدائية التي تدعوا للإقتتال والحرب.

الهيئة العامة للثقافة أدانت محتوى الكتاب واعتبرته يتنافى مع الأخلاق العامة مؤكدين بأن الكتاب الذي نُشر خارج ليبيا, لم يخضع للإجراءات القانونية لمنحه الموافقة على الطباعة والنشر.

وفي ذات السياق الهيئة ذاتها لم تعطي أي أهمية لإغلاق أحد أهم الفضاءات الثقافية والفنية, بعد أن قامت مجموعة مسلحة بإغلاق دار حسن الفقيه حسن بمدينة طرابلس على إثر احتضان الدار لحفل توقيع كتاب شمس على نوافذ مغلقة في وقت سابق .

الأمر الذي جعل من موقف السلطات الرسمية من تصريحات مقوضة لحرية التعبير موقف سلبي, بدلاً من دعم الكُتاب والمحررين الذين تستهدفهم جماعات دينية, تمثل خطر على الثقافة والفنون بشكل عام . مما يجعلنا نطرح تساؤل هل هيئة الثقافة تدعم أم تحارب الحراك الثقافي في ليبيا ؟.

                                                                  

أبواب مغلقة

دار حسن الفقيه حسن للفنون والثقافة ( القنصلية الفرنسية سابقاً) منارة الثقافة والفنون عراقة العمران وثراء المضمون, ذلك الصرح العتيق و العريق الواقع في زقاق المدينة القديمة التي تتميز بأقواسها وطراز مبانيها القديم, تحديداً بزنقة الفرنسيس المطلة على قوس ماركوس اوريلوس, المكان الذي طالما أحتضن في أروقته مختلف الأنشطة الثقافية والفنية الذي يجتمع خلالها الادباء والفنانين والمثقفين. والذي ينأى برواده بعيداً عن الواقع الفوضوي فيكون متنفس فكري وفني مشجع ومُلهم لهم, من أجل النهوض بالحركة الثقافية والفنية والحفاظ على استمراريتها رغم كل الظروف الصعبة .

لم تسلم هذه الدار أيضا من تبعات الهجمة التي شُنت على كتاب “شمس على نوافذ مغلقة” عبر مواقع التواصل الإجتماعي فتسارعت الأحداث وتوالت ردود الفعل و حدث ما حدث و أُغلقت الدار فقط لأنها إحتضنت حفل التوقيع الأول في طرابلس للكتاب الذي أثار ضجة كبيرة في الشارع الليبي.
وبحسب ما ذكرته لنا السيدة “فوزية عريبي” المسؤولة عن الدار من تفاصيل الحادثة التي وقعت بتاريخ 27 أغسطس 2017, إذ قام جهاز المباحث العامة فرع المدينة القديمة, بإغلاق الدار معللين هذا بأنه موقف ورد فعل منهم لما نُشر عبر مواقع التواصل الإجتماعي عن الكتاب المثير للجدل!
ولكن لم يستمر الإغلاق طويلاً فقد تم إعادة فتح الدار مجدداً بتاريخ 5 سبتمبر2017. بشرط أن تقوم إدارة الدار بإبلاغ جهاز المباحث العامة بتفاصيل أي حدث أو نشاط تستضيفه أو تشرف عليه الدار. وهذا ما أعتبرته “عريبي” بالإجراء التعسفي الأول من نوعه الذي يُمارس على مثل هذه الفضاءات الثقافية والفنية, أي أنه و منذ إفتتاح الدار عام 2001 ومزاولة الدار لنشاطها كفضاء ثقافي وفني وفي أسوء الظروف لم يسبق أن تعرضت الدار لما تتعرض له الأن من راقبة من قبل الجهات الأمنية بهذه الطريقة, مؤكدة على أن تدخل الجهات الأمنية في الأمور الثقافية أمر غير مقبول بتاتاً. وهذا ما قد يؤدي الي تراجع ملحوظ في الحراك الثقافي بسبب تخوف المؤسسات الثقافية والنشطاء وكل من له صلة بالحراك الثقافي من الرقابة الأمنية التي تُفرض على الدار وهذا ما يُعد تقويضاً وتضييقاً على النشاط الثقافي في ليبيا.

ضمانات قانونية

بعد كل هذ الجدل والآراء المختلفة حول الكتاب, الجميع يتساءل عن ما يجيزه وما يمنعه القانون الليبي في مثل هذه الحالات.

إن طرحنا تساؤلات قانونية عن وجود نصوص قانونية تضمن حق التعبير والنشر في ليبيا وعن الضمانات القانونية للكُتاب في النشر مستقبلاً؟
سوف نجد أن حقوق الكٌتاب المشاركين في الكتاب في الكتابة و النشر مستقبلاً محفوظة و مٌبينة في القانون رقم 9 لسنة 1968 الذي يضمن حق المؤلف والذي يتضمن 4 أبواب و 51 مادة, تحديداً بما تتضمنه المادة 27 و التي تنص على المصنف الجماعي كما هو الحال في كتاب ” شمس على نوافذ مغلقة ” إذ أن الجهة التي تقوم بتجميع النصوص سواء كانت هذه الجهة شخص طبيعي أم اعتباري متمثل في دار النشر على سبيل المثال والتي قامت بإبتكار هذا المصنف بحيث تعتبر هي الوحيدة التي تملك حق مباشرة حقوق المؤلفين في هذا المصنف و بهذا يقع عليها عاتق تحمل أي إلتزامات قد تترتب لاحقاً عن المصنف.

ومن ناحية أخرى الرأي القانوني في النص الذي أثار كل هذا الجدل حول الكتاب هل يُجرم القانون هذا النص أم لا ؟
بحسب القوانين والتشريعات الليبية لم يجرم قانون حماية حق المؤلف و الصادر عن قانون رقم 9 لسنة 1968 ما كتبه أحمد البخاري في روايته و التي تم نشرها مسبقاً من قبل وزارة الثقافة و اعتمدها بشكل رسمي كعمل تم قبوله و يسمح بطباعته و نشره .

حيث نص القانون في مادته الاولى ” يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم أيا كان نوع هذه المصنفات أو طريقة التعبير عنها أو أهميتها أو الغرض من تصنيفها “.

هذا النص يوضح و بشكل صريح و واضح بأنه يحمي مؤلف مٌصنف الاداب سواء من حيث النوع او طريقة التعبير عنه و لم يذكر القانون في أحد مواده بأن وجود عبارات تعتبر خادشة للحياء تصنف كجريمة فكرية او ادبية .. إلخ و غير مسموح بها بالإضافة لمبدأ الأصل في الأشياء الإباحة و الأصل في الإنسان البراءة و كذلك مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص.

تراجع مستوى الحريات

شهدت ليبيا تراجع خطير في السنوات الأخيرة على مستوى الحريات, فقد أدى إنتشار الجماعات المسلحة

وإستمرار الصراعات المسلحة الي تدهور في حالة حقوق الإنسان وتعطيل الخدمات الأساسية .
وأدى غياب الإستقرار السياسي وعدم وجود سلطات قانونية الي انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب مما جعل من وضع الحريات المدنية والسياسية في ليبيا ينعرج الي منعرج خطير جدا .

وبحسب التقرير السنوي لمنظمة فريدوم هاوس حول الحريات في العالم صُنفت ليبيا عام 2017 بـ “غير حرة” حيث حلت ليبيا في المركز 178 من أصل 195 دولة شملهم التقرير مسجلة تراجع -7 نقاط عن عام 2016, وانخض تصنيف الحقوق السياسية في ليبيا من 6 إلى 7 عن العام الماضي بسبب مشاكل واسعة النطاق مرتبطة بالأزمة السياسية والأمنية الجارية، بما في ذلك الانتخابات المتأخرة وعدم وجود حكومة تعمل بكامل طاقتها معترف بسلطتها على الصعيد الوطني.

وجاءت الإحصائيات حول ليبيا لعام 2017 النتيجة الإجمالية 13\100(-7). الحقوق السياسية 3\40 (-3), العملية الإنتخابية 1\12(-3). الحريات المدنية 10\60 (-4), حرية التعبير والمعتقد 4\16 (-2) .

                                                                         

الجدير بالذكر أنه في عامي 2013\2014 صنفت ليبيا بـ حرة جزئيا كإشارة الي ارتفاع على صعيد الحريات المدنية والسياسية, وهو أفضل تصنيف تحصلت عليه ليبيا ضمن تقارير منظمة فريدوم هاوس السنوية.

2013

2014